الأربعاء, 21 آب 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 77 تاريخ 2/5/2015 > نزيف جراحهم لم يمنعهم من الأمل بالنصر.. جرحى الجيش العربي السوري يروون لـ«جهينة» حكاياتهم وبطولاتهم المسطرة بالدماء
نزيف جراحهم لم يمنعهم من الأمل بالنصر.. جرحى الجيش العربي السوري يروون لـ«جهينة» حكاياتهم وبطولاتهم المسطرة بالدماء
جهينة- إلهام أسعد سلطان:

في العدد الماضي سلطت «جهينة» الضوء على حفل التكريم الذي أقامته السيدة أسماء الأسد لأمهات الجرحى وزوجاتهم، والذين تبلغ نسبة عجزهم 70% وما فوق، حيث أطلقت رئاسة الجمهورية مشاريع منتجة لهؤلاء الجرحى، سبقها صدور القانون رقم (36) لعام 2014 والذي يقضي بحجز نسبة 50% لذوي الشهداء ومن في حكمهم من الشواغر المراد ملؤها بموجب المسابقات والاختبارات التي تجريها الجهات العامة، وهذا القانون يشمل المصابين بحالة العجز التام، مشيرين إلى أن الاهتمام بالجرحى لا يقتصر على لحظة وصولهم إلى المشفى، بل أيضاً بمتابعة علاجهم الجسدي والنفسي وكل ما يمكّنهم من متابعة حياتهم بشكل طبيعي.
واليوم تتابع «جهينة» رصد بطولات هؤلاء الجرحى وتلتقيهم في المشافي ومراكز العلاج للوقوف على طبيعة إصاباتهم وروحهم المعنوية العالية، مؤكدة أن إعادة هؤلاء البواسل إلى حياتهم الطبيعية مسؤولية جميع المؤسسات الرسمية والأهلية، بما فيها الإعلام المنوط به متابعة شؤونهم وتقديم الصورة الحقيقية لمن نذروا أرواحهم ودماءهم في سبيل حماية الوطن والدفاع عنه.

أمنيتي العودة إلى الميدان
العقيد حسن ناصر الذي أصيب في السادس من شباط 2015 على أوتستراد حرستا بريف دمشق، ويرقد اليوم في المشفى لاستكمال علاجه يروي لنا حكاية إصابته وهو ممدّد على السرير، والابتسامة تعلو وجهه، مشيراً إلى قدمه اليسرى الملفوفة بالشاش، اعتدل في جلسته واستقبلنا ببشاشة قبيل بدء الحديث:
كانت مهمتي الحفاظ على أمن أوتســتراد حرستا بين مشـفى البيروني ووزارة الري، بمواجهة مجموعة مسلحة كانت تحفر الأنفاق للوصول إلى نقطة معينة، حيث بدأت الاشتباكات بيننا وكنا نحن في نقطة على الاوتسـتراد جانب شركة السعدي، واستمرت الاشتباكات عدة ساعات ونفذنا عليهم رمايات بالدبابة والمدفعية، وكنت سعيداً بأن معظم رماياتنا حققت أهدافها بدقة، وشعرت أنني أطير من الفرح لكن فرحتي لم تكتمل، فما هي إلا دقائق حتى أصابت قذيفة هاون قدمي اليسرى إصابة بليغة، ثم أتت قذيفة أخرى ولكنها لم تنفجر لحسن الحظ.. القذيفة الأولى أصابت قدمي وانقطع الشريان وبدأ النزيف، حينها شعرت أنني فقدت توازني ومع ذلك أمسكت «الموبايل» وبدأت الاتصال مع أولادي وأسرتي لا لأحدثهم بما حصل معي وإنما من أجل أن أبرر غيابي وبأنني بمهمة خارج دمشق حتى لا أقلقهم عليّ.. وبعدها اتصلت بالإسعاف من أجل إنقاذي وتابعت الحديث مع رفاقي المقاتلين لملاقاتي في المشفى وأعطيتهم «الموبايل» للرد عليه.
ويضيف العقيد حسن ناصر: عند دخولي المشفى أول ما التقيت الدكتور وائل عمار الذي أشرف على علاجي.
هنا يتدخل د. عمار للحديث عن وضع العقيد حسن: وصل المشفى بوجود كسر في عظمتي الساق مع أذية نسيجية ونزف في الطرف الأيمن، وكسر ساق غير متبدل مع كسور في الأمشاط، أدخلناه غرفة العمليات ووضعنا أمشاطاً للقدم ومثبتاً خارجياً في القدم الأخرى حيث كان هناك قطع في الشريان الرئيسي.. بعدها قمنا ومجموعة من الأطباء المختصين بدراسة وضعه الصحي وبعد الاجتماع حول وضع ساقه قررنا البتر بعد أن التهب الجرح وبقينا حوالى العشرة أيام بجلسات أوكسجين، وطول فترة علاجه كان يستخدم اليدين وبعد عشرة أيام استنتجنا أنه يوجد شظايا في اليد فبدأنا تنظيف يديه من الشظايا.
أما العقيد حسن فيتابع بالقول بعينين يملؤهما الحماس والاعتزاز والقوة: بعد دخولي المشفى تابعت عملي ولم أتوقف يوماً، ونقلت عملي وخبرتي من الميدان إلى المشـــفى.. وأنتظر أن يعود وضعي الصحي بشكل جيد لأعود إلى زملائي.. في مثل حالتي القيادة العسكرية تحول عملي إلى خدمات ثابتة وإذا رغبت يمكن أن أسرّح، ولكن بالطبع أنا لا أريد.. بل أريد أن أعود إلى عملي في الميدان.

أقتل نفسي ولا أنسحب
الجريح جادو سلمان طليعة تولد 16/3/1995 جبل الشيخ- المقروصة والذي أصيب في معارك دير الزور بتاريخ 25/10/2014 يقول: حوالى الساعة الرابعة والنصف مساءً.. كنت قائد مجموعة ومعي عشرة مقاتلين، كانت مهمتنا أن نتقدم باتجاه الأبنية حتى نصل إلى حويجة صقر في مدينة دير الزور.. تقدمت قوات الدفاع الوطني أمامنا كي يكون الطريق آمناً لدخولنا.. دخل الدفاع الوطني ووجد كل شيء على ما يرام.. وتكلم معي على الجهاز اللاسلكي بأن الطريق آمن وممكن الدخول.
جهزت مجموعتي للدخول إلى البناية من طلَّاقيتي.. وطبعاً قائد المجموعة يجب أن يكون الأول.. تقدمت أول الرتل ومشيت أول مترين وتفاجأت بعشرة مسلحين أمامي على بعد عشرين متراً. وعندما شاهدتهم بوضوح بدأت الرمي رشاً باتجاههم وهم يردون عليّ، وكانت الطلقة الأولى في بطني وعندما أصبت اختل توازني، ولن أستطيع الانسحاب لأنني لا أريد أن تكون الطلقة في ظهري.. ثم جاءت الطلقة الثانية في الورك فارتفعت قدماي إلى الأعلى، وبرفع قدمي إلى الأعلى أصبت بطلقتي رشاش تحت الركبة.
وهنا طلب رفاقي مني الانسحاب من الطلاقية نفسها إلى الوراء، لكني فضّلت التقدم أكثر باتجاه المسلحين.. كانت أشكالهم لا توصف، وكلهم غير سوريين وكان القنص أيضاً يأتي من بعيد.. أحد رفاقي واسمه زين العابدين من حمص زحف باتجاهي وقال لي سأسعفك. فطلبت منه الانسحاب حتى لا يعرض نفسه لخطر الإصابة وأنا سأتدبر أمري، لكنه رفض وصرخ بقوة: أقتل نفسي ولا أنسحب، سأبقى معك. وبالفعل بقي معي شدني إلى صدره ثم حملني على ظهره وتابع الطريق رغم غزارة النيران من خلفنا، وبعد نحو 500م أخذتني سيارة الإسعاف إلى المشفى.. حيث أخرجوا الطلقات من جسدي قبل نقلي في اليوم التالي إلى دمشق.
ويختم جادو طليعة بالقول: ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لتطوعت في صفوف الجيش وقاتلت الإرهابيين ودافعت عن وطني وأرضي وأهلي... الوطن أمانة في أعناقنا يجب أن ندافع عنه حتى آخر قطرة دماء.

نذرت نفسي للوطن
الجريح محمود محمد خالد مبيض تولد 24/2/1993 حي العمارة بدمشق والذي أصيب في مدينة حلب بمنطقة العامرية يوم الجمعة 19/4/2013 الساعة 11 إلا ربع صباحاً يقول: في 1/1/2013 تم استدعائي لخدمة العلم ولبيت النداء دون تردد ونذرت نفسي للوطن وتم تدريبنا في إحدى مناطق التدريب العسكري وكان تدريباً شاقاً لنكون جاهزين لأي تضحية لأن الوطن يحتاج جميع رجاله.
ويضيف: بعد الانتهاء من التدريب كُلفنا بمهمة مع رفاقنا في ريف إدلب جبل الزاوية، وعندما وصلنا كانت المعارك محتدمة حيث شاركنا رفاقنا في التصدي للمجموعات الإرهابية بكل مانملك من قوة. ومضت علينا أيام عديدة تعرضنا لاشتباكات مسلحة وأيام أخرى حصارات واقتحامات ودون طعام، اضطررنا فيها لأكل الأعشاب وأوراق الشجر حتى مرَّت تلك الأيام القاسية، وبعدها أتانا أمر بالتحرك إلى محافظة حلب وكانت الحركة شاقة علينا بسبب الكمائن التي أعدّوها لنا وسقط العديد من الشهداء والجرحى. ولم نستسلم، استطعنا اختراق كامل صفوفهم ووصلنا إلى محافظة حلب منطقة العشارة ليلاً واسترحنا عدة ساعات، وفي الصباح الباكر اقتحمنا مدينة حلب وكان الاقتحام شديداً، حيث خضنا كثيراً من المعارك في عدة مناطق، كالحمدانية وصلاح الدين والعامرية والسكرية وحلب القديمة وفي محيط القلعة والراموسة.
في مرحلة التحرك كانت الاشتباكات عنيفة جداً، إذ تعرضت لطلق ناري في فخذي الأيسر ورغم ذلك تابعت المعركة، ولأن اختصاصي تمريض كنا أنا ورفاقي نسعف أصدقاءنا نأخذ الشهداء وننزل لأرض المعركة لإسعاف الجرحى ونعود إلى المعركة رغم إصابة بعضنا.
وفي حلب أيضاً تعرّضت لإصابة أخرى في قدمي اليمنى، وبعدها ذهبت إلى الكلية الحربية في الراموسة لأستريح فترة من الزمن، ولأعود بعد أسابيع إلى صفوف رفاقي لأشاركهم في الدفاع عن المدينة.
وفي فترة استراحتنا في الراموسة كانت تتعرض الكلية لكثير من الهجمات بأعداد كبيرة وكنا نشارك زملاءنا الدفاع عن الراموسة، ولم نسمح لهم بأخذ شبر منها، وتعرضت لإصابة ثالثة خفيفة في ظهري وبعدها أخذت فترة استراحة، ثم عدت إلى صفوف زملائي مرة أخرى في حلب. ثم بعد سبعة أشهر من الإصابة الثالثة شاركت رفاقي في مهمة بمنطقة العامرية، وهي بين العامرية وصلاح الدين وثبتنا نقاطاً عسكرية بعد اشتباكات دامية.
ويتابع محمود: لقد تعرضت محافظة حلب إلى أقسى حصار من الإرهابيين وكانت تعاني من تأمين حاجياتها، وقذائف الحقد التي تستهدف رجالها ونساءها وأطفالها وبيوتها وأحياءها الآمنة.
أما الإصابة الأخيرة فكانت يوم الجمعة 19/4/2013، حيث كنا ومجموعة من الزملاء نتصدى للمسلحين الإرهابيين وكان ينهال علينا القنص بشكل كثيف، وقد كنت أتنقل من مكان إلى آخر وذهبت لإحضار الذخيرة لرفاقي فصعدت إلى البناء وعندما أردت الخروج من البناء لم أستطع الخروج بسبب القنص الكثيف. كنت أقف وأنتظر اللحظة المناسبة لأعبر الشارع حاملاً ذخيرة ثقيلة لأسلمها لرفاقي وقطعت الشارع دون أن أكترث للقناص، كان همّي إيصال الذخيرة لرفاقي. وقد نجحت في المهمة، إلا أني وأثناء العودة أصبت بشظايا رصاصة متفجرة في وجهي.. أحسست بالصمت ولم أسمع صوت الرصاص عند الإصابة ولم أرَ نفسي إلا مستلقياً على الأرض وكان حولي رفاقي، وضعت يدي على وجهي وأنا لا أحس بشيء سوى الدماء تغطي كفي اليسرى.
وقفت على قدمي بمساعدة رفاقي لانتظار سيارة الإسعاف كي تأخذني وجلست على الرصيف، لا أرى شيئاً ولا أسمع سوى صوت الرصاص.. لم أكن خائفاً ولكني كنت أشعر بألم في رأسي لا يمكن وصفه، لم يكن يدور في مخيلتي إلا الاستشهاد في سبيل الوطن، فقد تعودنا على استقبال الموت بصدر رحب دون خوف أو قلق.
ويضيف محمود: بعد إجراء العملية الجراحية صحوت من المخدر، وأول استيقاظي بقيت حوالى اليومين في العناية المشددة وبعدها استيقظت وكان أصدقائي حولي، وعند الاستيقاظ تفاجأ الأطباء أنني لا أكترث لأنني لا أرى ولم أسأل الدكتور لماذا لا أرى!!..
وعندما سألني الدكتور ألست مكترثاً بعدم الرؤية فكان جوابي لا.. كنت بلحظتها أريد أن أعرف نفسي حياً أم ميتاً، المهم سمعت رفاقي يقولون لي الحمد لله على السلامة، بعدها أتى الطبيب المعالج الذي أجرى العملية وقال لي أريد أن آخذك لغرفة أخرى لفحص العينين، وجلبوا لي كرسياً لأجلس عليه. فقلت له لا، أريد أن أذهب على قدمي واتكأت على رفاقي وكنت أمشي وغير مكترث بأني لا أرى شيئاً فقال لي الطبيب عند الفحص:
- أترى الضوء.
- لا أرى شيئاً.
- ما هو شعورك؟..
- الحمد لله.
-لا تخف.. يوجد أمل للعلاج.. الحمد لله أنك ما زلت حياً.
-ما دمت أنا ورفاقي والبلد بخير.. فأنا لا أكترث.
ويتابع محمود: لكن أكثر ما كان يقلقني كيف سأخبر أهلي أنني أصبت بعيني.
أخذت هاتفي الخليوي وأجريت اتصالاً بوالدي لأخبره لأنني أعرف أنه رجل مؤمن متماسك عظيم، وكان دائماً يشجعني هو ووالدتي على الصمود وعدم الاستسلام لأي أمر كان، نعم اتصلت به لكن لم أتجرأ على أن أخبره، سألني لماذا صوتك متعب. قلت له الآن استيقظت من النوم.. وأريد أن أغلق الموبايل لأمر ضروري.. وأغلقت التلفون.
وبعد ذلك وقفت أفكر كيف سأخبره.. وقلت لنفسي لا مفر من الخبر واتصلت به مرة ثانية لأصارحه بأنني بتّ أعمى.
فرد بإيمان مطلق: أنت بخير يا بني.. الحمد لله على سلامتك. كان مؤمناً بقدري ولم يتكلم ولم يحسسني أنه تعب بسبب هذا الأمر وبعدما أغلقت الهاتف أدركت أنه انهار تماماً..
وانتظرت في المشفى مدة سبعة أيام ولم يخبروا والدتي بهذا الأمر، وكان والدي يتصل بي يومياً ليطمئن على صحتي.. وكان كل يوم يخبر والدتي عن صحتي أني أصبت بشظية ومرة بقنبلة، وأخيراً أخبرها بأنني فقدت بصري.
وانتظرت سبعة أيام أخرى قبل نقلي إلى مطار اللاذقية ومن ثم إلى دمشق وكانت لحظة اللقاء لا توصف بأنني مصاب بهذا الشكل.. كان اللقاء بالدموع والحزن والألم وكان أبي وأمي ينتظراني هما وأخي وأقاربي وكانت فرحتهم لا توصف بأنني عدت سالماً.. رغم إصابتي.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة