الجمعة, 28 شباط 2020
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 78 تاريخ 15/6/2015 > الأميرة بديعة الجزائري حفيدة الأمير عبد القادر: لن أترك سورية ما حييت.. هي وطني الأول أو الثاني لا فرق
الأميرة بديعة الجزائري حفيدة الأمير عبد القادر: لن أترك سورية ما حييت.. هي وطني الأول أو الثاني لا فرق
أنا قطعة من نبع المقاومة
تقول الأميرة بديعة: لقد كوّنت معلومات لا تُحصى خلال رحلاتي إلى انجلترا وفرنسا والجزائر ومصر وسورية التي نشأت فيها، فأولى اهتماماتي في كل مدينة كنت أزورها هي المكتبات وأحتاج للتوثيق رغم أن التوثيق أتعبني كثيراً.
وتعود للحرب التي طاولت سورية أرضاً وشعباً وتاريخاً ورموزاً وطنية، لتقول إثر سؤال طارئ منذ متى لم تزر الجزائر فتقول منذ تسع سنوات لم أزر الجزائر لأنني قررت البقاء هنا، لأقوم بدوري كما في الماضي، وتضيف بانفتاح الذاكرة أكثر على بوح متاح: كل شيء كتبته يعدّ قطرة من ينبوع متدفق من المقاومين، أنا قطعة من نبع المقاومة لتوضح أكثر: في عام 1956، تطوعت وزوجي كان ضابطاً عاملاً في قلعة دمشق «العميد عدنان العجلاني» وهو من شجعني لأحمل البندقية وإتقان استعمالها، وكنّا مستعدين للدفاع عن سورية بيتاً بيتاً، فضلاً عن مجموعة من النسوة المتطوعات آنذاك.

من دمشق هنا القاهرة
وتروي الأميرة بديعة الجزائري في لحظة استذكار نادرة فصلاً من تلك الوقائع، إذ تقول: أثناء ذلك كانت الإذاعة تذيع من دمشق هنا القاهرة، إذن فنحن أمة عربية واحدة، وهذا ما أردت أن أقوله فيما ألفت من كتب، رغم تفسيرات الفلاسفة والمفكرين لمعنى الأمة ومفاهيم الأمة.

قصر دمر.. قصة وتاريخ
يقع في ضواحي مدينة دمشق شيّده الأمير عبد القادر الجزائري عام 1854، بعد عودته من بورصة وهو يقع بين جبلين ونهري بردى ويزيد، وتحيط به بساتين وحدائق غناء، كان الأمير عبد القادر يقيم به ندواته العلمية في فصل الصيف ومن الأبيات الجميلة التي قالها الأمير عبد القادر متغنياً به:
عج بي فديتك في أباطح دمر
ذات الرياض الزاهرات النضر
ذات المياه الجاريات على الصفا
فكأنها من ماء نهر الكوثر
أين الرصافة والسدير وشعب
بوان، إذا أنصفتها من دمر؟!
أمام عدد من السفراء الأجانب والعرب، ألقت الأميرة بديعة الجزائري محاضرة عند ترميم قصر دمر، الذي عاش فيه الأمير والعائلة، هو قصر منيف يطلّ على بردى، أصبح اليوم مقراً حكومياً للتنمية المستدامة بعد أن تخلى الاتحاد الأوروبي الذي ساهم في ترميمه مع الدولة السورية عنه إثر الحرب الظالمة على سورية.
تلفت في محاضرتها أمام ذلك الجمع، إلى صورة للأمير عبد القادر الجزائري وكيف أنه اُختطف في تلك الأيام من قبل السلطات الفرنسية، وتربط ذلك الاختطاف بما تداعى في ذاكرتها الطفولية من أن طائر «الشوحة» الكبير الحجم هو من اختطفه، إذ إن فرنسا المحتلة للجزائر في تلك الأيام أدركت أن الأمير عبد القادر الجزائري هو الذي قاتلها وهزم جنرالاتها وكبار قادة جيوشها، فتم التوقيع معه على اتفاقية –طنجة- التي تقضي بضرورة مغادرته الجزائر، هنا حصل ذلك المجاز الذي تحدثت عنه الأميرة من أن الأمير عبد القادر الجزائري قد أُختطف، ويخرج باتفاقية رسمية موقعة من أعلى مستوى من القيادات الفرنسية، وفضّل الذهاب إلى عكا، لكنه اُختطف بواسطة الباخرة التي كانت من المفروض أن تنقله وعائلته إلى المشرق ومدينة عكا، لكنها أخذته إلى طولون بدلاً من عكا أو الاسكندرية.

جناية واسيني الأعرج على تاريخ الأمير
وعلى مدى أكثر من أحد عشر مؤلفاً لاتساع تلك المادة التاريخية وخصوبتها، ردت الأميرة بديعة الجزائري على الأكاذيب التي سعت للنيل من رمز عربي مجاهد، تقول: لأن هذا البطل التاريخي كالجبل الشامخ الذي يحوي على معين لا ينضب من الكنوز، وفرنسا التي ومنذ اليوم الأول لاحتلالها الجزائر عملت جاهدة لتدمير تاريخه ولغته وكيانه وفرض لغتها بدلاً من لغته، وهو من قاتلها سبعة عشر عاماً وليس خمسة عشر عاماً، فقد طالبت أيضاً في هذا السياق بحذف كلمة استسلام من المناهج التربوية الجزائرية، وأبلغت العديد من الشخصيات الرسمية الجزائرية بضرورة حذف هذه الكلمة التي فرضتها فرنسا إبان احتلالها على المنظومة التربوية.
كذلك ردت على الروائي الجزائري واسيني الأعرج في كتابه «مسالك على أبواب الحديد»، الذي تكلم عن تاريخ حقبة نضالية من حكم الأمير عبد القادر الجزائري، أول حاكم جزائري مُنتخب بايعه جميع أبناء الشعب، وليس معيناً من قبل الدولة العثمانية «كالباي والداي»، فقد استوقفتها في رواية واسيني الأعرج الكثير من القضايا لكن أهمها ما تخيله الروائي من أن الجلسة التي أُعدّت لمحاكمة الجنرال لأمور سيبر ولومه لعقد اتفاقية مع الأمير وقبوله لوقف الحرب وعدم مواصلة القتال ضد الأمير وأسره أو قتله، صورها الروائي الأعرج وتخيلها كأنها محاكمة للأمير، وتقول: بالتأكيد أن الأمير عبد القادر ليس هو الشخصية التي تخيلها الروائي الجزائري واسيني الأعرج، ولو كانت كما تخيلها في روايته «مسالك على أبواب الحديد»، لماذا زارها لويس نابليون الثالث في السجن بقصر أمبواز، مع أن واسيني الأعرج يذكر أن ليس من شأن روايته التاريخ لأنه ليس هاجسها، فهو لم يسرد نصوصاً تاريخية موثقة، بل ذهب إلى تفكيك أحداث جرت في عهد الأمير عبد القادر الجزائري، وأعاد تركيبها وتشكيلها حسب رغباته الفنية وربما السياسية، وتكسير البنية الأساسية لدولة الأمير.
وتتساءل الأميرة بديعة الجزائري في هذا السياق أيعتبر ذلك عملاً فنياً، أم عملاً خيالياً مغرضاً يدخل في دائرة مبادئ حقوق الإنسان والتهم الكاذبة والتشهير العلني؟!.
إذن ففي سعي الأميرة لتصحيح سيرة جدها مؤسس الدولة الجزائرية، ومطالبتها المستويات الرسمية في الجزائر، بحذف كلمة استسلام، هي تذهب إلى ما تسميه تأثير الثقافة الفرنسية الفرانكفونية، بوصفها مدرسة استعبادية، فالاستعمار هو الاستعباد. لكنها ترى بأن التشويه المقصود في مسيرة الأمير عبد القادر الجزائري، كان بوصفه من هزم الفرنسيين وخرج من الجزائر منتصراً، وإلا لم عُقدت معه الاتفاقيات وأُوقفت الحرب، بالرغم من تغير معطياتها لتُفتح أمامه جبهة جديدة من دولة شقيقة «المغرب» ولاسيما في آخر أيام حكمه للجزائر، ولهذا أوقف الحرب مع فرنسا لوأد الفتنة ووأد الحرب الظالمة.
وهذا ما حاولته أيضاً في قراءتها كتاب حياة الأمير عبد القادر الذي ألفه هنري تشرشل من منطلق قراءة نقدية متفحصة لتوضح مدى ما تضمنه من معلومات خاطئة، اعتقد بعض الباحثين أنها موثوقة، لذا اعتمدت الأميرة في ردها على منهجية دقيقة بحيث تعرض نصاً من نصوص الكاتب –تشرشل- ثم تلحقه بتعليق ونقد، مبينة ما يحتويه من أخطاء وافتراءات خاصة تلك التي تتعلق باستسلام الأمير عبد القادر الجزائري وظروف توقيف الحرب وانتمائه للجمعية الماسونية، لتكشف القناع عن تلك الأساليب الماكرة والعبارات المخادعة التي استعملها تشرشل في كتابته عن الأمير لينتصر من وراءها للروح الغربية الاستعمارية.
وقد كتبت الأميرة ردودها من منطلق الخشية على الأجيال الجزائرية من تسرّب تلك الأخطاء، ولتعيد الاعتبار لسيرة مقاوم كبير.

كتابة التاريخ من منطلق أدبي
تقول الأميرة بديعة الجزائري: أنا لا أتخلى عن ثقافتي الأدبية وعندما أكتب التاريخ فإنني أكتبه من منطلق أدبي، كأنني أكتب قصة، وعندما كتبت قصصاً قصيرة من واقع الحياة، ولاسيما القصة التي تحمل عنوان «من قصص المقاومة العربية»، كانت تعيد كتابة سيرة جدها بإطار أدبي مشوّق، قصة كفاحه الطويلة واستعملت فيها تعابير أدبية، لم تكتب التاريخ كشيء مسلّم به، بل أشركت القارئ معها لتضعه في دائرة الرأي والموقف، وهكذا درجت كل كتبها التي سعت فيها للدفاع عن مؤسس الدولة الجزائرية الذي حمى المسيحيين في سورية ولقي تقديراً كبيراً من قيصر روسيا، وأوسمة من دول عدة، برمزيته التاريخية التي ينبغي استذكارها في منظومة المقاومة والتحرير.
في فكر الأميرة بديعة الجزائري الذي يحيلنا إلى منهجية التأليف والاطلاع، على عدد كبير من المصادر والمراجع، في ظرف مدة معينة ورغم ظروفها العائلية، نقف على حقيقة كتابة أدبية مختلفة لا تتعلق فقط بالجانب المعرفي التاريخي، بل كُتب جلّ ذلك من خلال خلفية نفسية كما يقول د. الأخضر قويدري: إنها تكتب لكي تعوض ما فقدته من أحباب، وهي من صارحته يوماً بالقول: لقد مررت بظروف صعبة جداً، فكانت الكتابة عزائي.
وظلت هي الإبداع الحيّ المتواصل، وكشهادة على قيمة ما كتبته الأميرة –الجزائري- يقول د.عفيف بهنسي: تفردت الأميرة بديعة بالتعمق في تاريخ الجزائر وبالأخص في مقاومة الأمير عبد القادر رحمه الله، فكان سعيها مشكوراً وأداؤها ناجحاً، استطاعت من خلاله كثير من الأجيال في سورية أو الجزائر أو غيرها من الأقطار والدول العربية والإسلامية، أن تنظر إلى تاريخ المقاومة الجزائرية نظرة إعجاب وإكبار، لقد كتبت كثيراً عن جدها الأمير عبد القادر وصحّحت كثيراً من الأخطاء المدسوسة في الكتب وقدمت هدايا أثرية معتبرة لمُتحف المجاهد الكائن بمقام الشهيد بالجزائر.

نقل رفات الأمير إلى الجزائر
تستذكر الأميرة بديعة الجزائري تلك اللحظات التي نُقلت بها رفات الأمير إلى الجزائر، إبان حكم الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، وما انطوى ذلك من دلالة كبيرة وهي عودته إلى الجزائر وهي مستقلة، فكتبت تقول:
كتبت يا دمشق ألف تحية
قد عرفناك في الندى أموية
أي بشرى حملتها لبلادي
برفات الأمير أي هدية
مهما سعى إليك اشتياقاً
يستحث الخطا ليلقى الحميا
.........
فاته أن يعود للدار حياً
ويرى الدار في الكرامة حية
وتتذكر تلك الأيام حينما حُمل نعش الأمير على عربة مدفع في الجزائر، وتقدم التشييع المهيب رجالات الدولة الجزائرية، وخرج من سورية ملفوفاً بالعلم السوري وفي عرض مهيب جاب شوارع دمشق، ليُلف في الجزائر بالعلم الجزائري، ويرقد في «عالية» مطمئناً إلى أنه رجع إلى وطنه، ووطنه حراً كريماً ليرقد بسلام أبدي، عاد جثمانه مغطى براية استقلال بلاده على أكتاف الوزراء ورئيس الجمهورية، عاد رمزاً ليذكّر بصفحاته الكثيرة من كفاحه الوطني، هو كفاح الجزائر لنيل استقلالها، عاد الرمز الأول للجزائر المعاصرة مؤسّس دولتها ومتوّج أمجادها في ميادين السيف والقلم.
نسألها لماذا فضّلت البقاء في سورية، على الرغم من أنك قد تلقيت دعوات كثيرة عبر الإذاعة الجزائرية ومن مسؤولين جزائريين رغبوا أن تقيمي في الجزائر، عادت الأميرة للقول: لأن سورية تستحق أن نكون معها الآن أكثر من أي وقت مضى، لأنها مع الحق لم تعتدِ على أحد، بل هي من وقفت مع المقاومة الجزائرية في الماضي كما تقف اليوم مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية ومع أحرار العالم، وأعتقد أن كل سوري يحمل الجنسية السورية ولا يقف مع جيشه مدافعاً عن الحق، فإنه لا يستحقها أبداً، فنحن خُلقنا مقاومين، وكما في الماضي لم يوقف الأمير عبد القادر الجزائري المقاومة ضد المستعمر الفرنسي لتظل جذوة هذه اليوميات العربية بعيداً عما سموه زوراً وبهتاناً بالربيع العربي. فهي المعجونة بالكفاح تاريخاً وصوراً ويوميات، حارسة لبهائها كما قد يستشفه محاورها والناظر إليها بل والمصغي للغتها الشديدة التدفق والاحكام البليغة المعنى والاستدلال، كما هو منهجها في كتبها الكثيرة التي كتبتها لتترجم عشقها للغة العربية وللأرض العربية المقاومة، منافحة عن تاريخ وقضية.

الأميرة بديعة الحسني الجزائري.. سطور مضيئة


ولدت في الثلاثينيات من القرن الماضي في تطوان في المملكة المغربية.
هي كريمة الأمير مصطفى الحسني الجزائري، وأرملة العميد المرحوم عدنان محمد راغب العجلاني.
درست في معهد دوحة الأدب في دمشق.
خريجة دار اللغات في دمشق المرخصة من جامعة كامبردج إنكلترا.
أسهمت في تأسيس الكثير من الجمعيات النسائية: المبرة، الرعاية الاجتماعية، جمعية مكافحة الأمية للسيدات.
أثناء العدوان الثلاثي على مصر تطوعت في المقاومة الشعبية وكانت قائدة لوحدة فدائية.
عضو في اتحاد المؤرخين العرب، وعضوية رئيسة شرفية في مؤسسة الأمير عبد القادر في الجزائر العاصمة ومدينة معسكر.
نالت شهادة تقدير من وزارة التعليم العالي في الجامعة السورية، ومن المجلس الأعلى للآداب والعلوم عام 2008.
نشرت عدة مقالات صححت فيها أخطاء تاريخية في مجلات وصحف محلية وعربية كجريدة الشعب الجزائرية والشروق والحقيقة والرئيس والشرق الأوسط وغيرها، فضلاً عن نشرها مقالات تاريخية في صحف الثورة والحقيقة الجزائرية والشرق الأوسط التي نشرت بها مقالاً لافتاً بعنوان «إن بنا حاجة إلى إعادة كتابة تاريخ مناضلينا بصورة أمينة» رداً على مغالطة تاريخية حملها مقال جاء تحت عنوان «الأمير عبد القادر لم يكن ماسونياً».
ألفت العديد من الكتب أبرزها:
-الجذور الخضراء، الأسس الاقتصادية في الإسلام، ردود على مغالطات تاريخية، سيرة ذاتية بعنوان «قطوف باسقة» وما بدلوا تبديلا، الأمير عز الدين الحسني الجزائري طائر في سماء المجد، بطل غار عين الصاحب.
قدم كتبها ونوه بها عدد من كبار الكتّاب من سورية والجزائر، ومنهم الأديبة غادة السمان، والأديب الدكتور علي القيم، والدكتور عفيف بهنسي، وغيرهم.
يقول الدكتور الأخضر قويدري، أستاذ الإرشاد النفسي والفلسفة الإسلامية في جامعة الأغواط/ الجزائر، في كتابه «ومضات من حياة الأميرة»: مسكونة هي بحب التاريخ، فماضيها وحاضرها ومستقبلها وهاجسها اليومي هو التاريخ، فهي تتنفسه في كل لحظة من لحظات حياتها، وتتمثله في كل أنة من أنات عمرها... ولا عجب في ذلك فهي جزء منه وامتداد لأحداثه وبقية طيبة ممن صنعوه.
في قصر دمر حيث عاشت الأميرة بديعة الجزائري، وفيه تفتحت موهبتها الأدبية، تنقل صوراً حية عن يومياتها في ذلك القصر، تقول: كنت أسمع قصصاً وحكايات منها الممتع والمفرح ومنها الحزين.. كنت أصغي إليها بشغف في ليالي الصيف المقمرة، عندما كان الجميع يجلسون ويتحدثون عن أسرار الكون غير المرئية، ويتغزلون بأشجار شجرة البرنجك، وأشعة ضوء القمر تنسكب على صفحة مياه يزيد رقراقة.
ومن ذكرياتها في دوحة الأدب تقول الأميرة بديعة: أذكر أني كنت في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة دوحة الأدب بدمشق، وهي أول مدرسة أنشأتها جمعية نسائية من سيدات دمشق، في عهد الانتداب الفرنسي على سورية سنة 1937، وفي درس مادة التاريخ عندما وصلنا إلى ذكر الأمير عبد القادر، قرأنا جملة «سلم نفسه للفرنسيين» فلم أستطع السكوت فرفعت إصبع يدي أطلب السماح لي بالكلام، وقلت إن أهلي وجدتي التي هي ابنة هذا المجاهد سمعت منهم أنه اُختطف وأُخذ غدراً إلى سجن في فرنسا، فاجأتني المدرّسة: «هذا الكلام لا يفيدك بالفحص، احفظي المكتوب هنا في هذا الكتاب».
وهي تزور منزل جدتها فاطمة العجلاني وهي -عمة الشاعر عدنان العجلاني- ويومها علم أن هذه الفتاة «الأميرة بديعة» التي كانت تنزل من عربتها ذات الحصانين أمام البناء الذي كان يسكنه، وتدخل إلى ذلك البناء الحجري، الذي كان يسكنه ثلاث عائلات ولم يكن يدري من هي، ولا إلى أي بيت تدخل وفوجئ بأنها هي ابنة بنت عمته، فشعر بانجذاب إليها وأحس أنه خُلق ليعيش بقربها وتقدم لخطبتها بعد تخرجه من الكلية العسكرية ضابطاً عام 1948، فكتب لها خواطره ذات صباح على نسمات صبح دمشقية:
يا خير من أهوى.... لا أعرف من تكونين.... ولا أعرف بماذا تشعرين..... قد تكون من هي أجمل منك.... ولكن لن يكون لها سحر عينيك.... وقد تكون هي من أرق منك... ولكن لن يكون لها صفاء بشرتك..... أريدك يا خير من أهوى..... وثقي أنني سأكون ما أريدك أن تكوني.
إثر إصابة الضابط عدنان العجلاني بشظايا إحدى القنابل في حرب عام 1948، ظنّ الأطباء أن إصابته بسيطة، لكن تبين لهم بعد حين أن الأمر أخطر مما كان يتصورون، وهكذا أُرسل إلى لندن للعلاج، وإثر زيارتها له قالت الأميرة بديعة لزوجها وهي تسقيه شربة ماء: يا حبيبي أنت بطل، نعم كنت بطلاً في ميادين القتال، والآن أنت بطل في سريرك هذا، لأن ما حصل لك كان نتيجة تلك المعارك التي شاركت فيها ضد الصهاينة، وإن هذه الإصابة هي بمثابة وسام يفوق كل الأوسمة التي نلتها في حياتك، إنه وسام البطولة والصبر والشجاعة إنه وسام الرجال.
وفي صباح السادس من أيار عام 1996، وهو يوم عيد الشهداء، ارتقت روحه الطاهرة إلى بارئها، لقد كان رحمة الله يتمنى أن يموت شهيداً في حرب 1948، فأجّله القدر إلى سنة 1996، ليلتحق بإخوانه في يوم ذكراهم.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة