السبت, 21 تموز 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 102 تاريخ 5/2/2018 > الأدباء والكتّاب العرب في دمشق
الأدباء والكتّاب العرب في دمشق
أنا إنسان وكاتب منتمٍ، أباهي بهذا الانتماء وأصونه فكراً وممارسة، ولا أحيدُ البتة عنه..أنتمي لفلسطين، لدمشق، للعروبة، وهذه توصلني إلى الإنسانية، لذا يخفق قلبي مع كل صيحة يطلقها عاشقٌ للحرية في أربعة أرجاء الدنيا.
منذ هبطتُ من السيارة التي أقلّتني إلى دمشق بساحة المرجة في أحد أيام شهر آب عام 1957، وأجلْت نظري بدهشة في كل ما حولي.. بتّ دمشقياً، وسكنتْ دمشق في روحي، ومن يومها لا نفترق، وهكذا تعيش القدس ودمشق معاً في قلبي.. دمشق بخير إذاً فلسطين القضية ستكون بخير، وقلبها القدس سيتواصل نبضها آذاناً وقرع أجراس بالعربية الفصحى حتى يشمل فجر الحرية كل أرض فلسطين.
هذا ما تعلّمته في مدارس دمشق، في حي الأمين وباب الجابية والبرامكة قُبالة جامعة دمشق، وفي الندوات الثقافية.. ومنذ القراءات الأولى شعراً ونثراً وفكراً، لذا أستغربُ أن يسألني أحد ما: كيف رأيتَ دمشقَ بعد غيابٍ؟ بعد غياب! هل غبتُّ أنا عن دمشق؟ وهل غابتْ هي (منّي)! وهل أنا في عودتي لها أكون زائراً؟!
أنا لم أنقطعُ عن دمشق، رغم أيّ بُعد مسافة عنها، فهي في داخلي، وكل عودة لها تجديدٌ لحضورها ومكانتها ومعانيها، وكل ما تعِدُ به.. من لا يعرف ما تعِدُ به دمشق سيمرُ بها سائحاً، وقد يأسفُ على معاناتها منذ بدأت الحرب عليها في آذار 2011 عاطفياً، فعلاقتي بدمشق فيها ما هو أبعدَ وأعمقَ من العاطفة.. دمشق تخصّني، فعلى أرضها تدور أكبرُ وأخطرُ معارك العرب المعاصرين.. والآتين، وجوهر الحرب عليها لمن يتمتعُ بالوعي والضمير يُفهم هكذا، فمن دون دمشق لا قيامةَ للعرب، ولا نهضةَ للعرب، ولا فلسطينَ للعرب. لم أُفاجأ بسقوط الساقطين، وهرب الهاربين، فهُم ارتبطوا بدمشق نفعياً، ومن مصالحهم وجُبنهم انطلقوا، وقفزوا من السفينة ظانينَّ أنها توشك على الغرق.. ارتفع صوتي مع أصواتٍ شريفةٍ مقاومةٍ، رغم هول الحرب على دمشق_ أعني على كل سورية الحبيبة _ بفصيح الكلام العربي: لن تسقطَ دمشق تحت سنابكِ خيولِ الغزاة الجدد، تحت (مدافع جهنم) التي تطلقُ قذائفها لتدكَّ مدنَ سوريةَ وبلداتها وأوابدها وحواضرها.. لن!. بجهلهم، أقصدُ كل المتآمرين _ والطابور السادس الثقافي_ توقّعوا، بل نظّروا لـ(سقوط) دمشق، فعلوا هذا ارتزاقاً، وبيعَ مواقف طلباً للنجاة والثمن البخس، وارتفعتْ الأصواتُ الشريفةُ، وصوتي منها: هذه دمشق يا كلاب الصيد.. دمشق التي تجهلون، حتى لو عشتُّم وتربيتُّم وتعلّمتُّم في مدارسها وجامعاتها، ولأنها كذلك فستصمدُ وستنتصرُ.
مراراً وتكراراً طرتُّ إليها من عمّان إلى بيروت، وبراً من بيروت. وردّاً على من كان يحذرني، ويستهجن هذا الوفاء: الأوضاع خطيرةٌ، فدمشق محاصرةٌ من كل الجهات.. لماذا تلقي بنفسك إلى التهلكة، وأنتَ في هذا العمر؟! كيفَ أُفهم هؤلاء الناس بأن معركة سورية هي معركة فلسطين والعروبة، وأنّ مقاومةَ الحرب الأمريكية- البريطانية- الفرنسية- التركية -الرجعية العربية، هي معركةُ وجود، وأنّ واجبَ كل عربي شريف أن يندفعَ من دون تريّث لينخرط فيها بكل ما يستطيعُ دفاعاُ عنها، وعن كرامته وإنسانيته.
* * *
عدة مرات عدتُّ إلى دمشق بالطائرة السورية من مطار عمّان، وكان هذا يسرّني، ويطمئنني، فدمشق تقاومُ على كافة الصعد، وهي تحطُّ في مطار دمشق المحاصر بمجرمين مرتزقة يستهدفونها ليلَ نهار.. يا للطيارين البواسل والمضيفين والمضيفات الشجعان، والعاملين المستهدفين في المطار الذين يقاومون بصمودهم..
فرحة الإخوة القادمين من فلسطين المحتلة عام 48 لا توصفُ، وهم حضروا رغم كل ما يتهددهم، وفوق التهديد من الاحتلال الصهيوني كانت حملةُ بعض مثقفي الارتزاق من الطابور السادس الثقافي، عليهم لأنهم يزورون دمشق، وينحازون لسورية العروبة المقاومة، ويشاركون في النشاطات المترافقة مع اجتماع المكتب الدائم للأدباء والكتّاب العرب الذي عقد في الفترة بين 2018/1/15-13..
لم آبه أنا وكل من حضرَ من الوطن العربي الكبير للمشاركة بالحملة المسعورة التي شنّها كتّاب مرتزقة على أمانة الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب وعلى كل من توجّه إلى دمشق العروبة!
من أربعة عشر بلداً عربياً وفدتْ إلى دمشق وفود الاتحادات وروابط الكتّاب العرب ليلتقي مكتبها الدائم في أول اجتماع منذ بدأت المؤامرة على سورية في قلب دمشق المضيافة ذات الكبرياء، دمشق المقاومة، التقى عشرات الكتّاب والشعراء العرب ليتحوّلَ اجتماع المكتب الدائم إلى حدث ثقافي عربي كبير بندوته حول القدس وبيانه عن القدس العربية الفلسطينية رغمَ أنف ترامب ونظام آل سعود والمطبِّعين – من أوفى مِنْ دمشقَ للقدس؟!- وأمسيات الشعر وندوة التنوير والنهضة وتسمية دورة اجتماع المكتب الدائم بـ: دورة فلسطين.
احتفتْ دمشق العروبة بالكتّاب والشعراء الشرفاء العرب الذين تخطّوا كل المعوقات، وكسروا حواجز (عزل) دمشق، ومكثوا أسبوعاً باهراً، واستعادوا في شوارع دمشق ولقاءاتهم الرسمية والشعبية لياقتهم العربية، فدمشق قلبُ العروبة، هكذا كانت، وهكذا ستبقى.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة