السبت, 21 تموز 2018
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 103 تاريخ 1/3/2018 > الأديبة والروائية بشرى أبو شرار.. جداريةُ الحنين والعودة
الأديبة والروائية بشرى أبو شرار.. جداريةُ الحنين والعودة
جهينة – أحمد علي هلال:

خارج المكان.. داخله تماماً، وكيف لذاتٍ مبدعةٍ أن تذهبَ في تأثيث المكان المحلوم به، وتتنكّبَ عمارة الرواية فصلاً فصلاً كقطعةٍ من حياة أو قطعة من روح، إذ يجوزُ سُكنى العالم روائياً أيضاً، هكذا تشي العوالمُ الروائية والأكوانُ الإبداعية لمبدعةٍ كتبتْ بطعم الوطن رواياتها، وكانت «عود الثقاب» الذي أشعل مدونات الحبر وما هي إلا مدونات وطن تجمّعت أجزاؤه خفقةً خفقةً وكسرةً كسرةً من حلم وترانيم حنين، وهل تكون الرواية إلا ما يتصادّى في الروح وما يعتملُ من أوجاع لتكونَ هي الواقع الجديد الذي ينهضُ معه مفهومُ الوطن والانتماء وتعبيرات الهوية كما تجلياتها فيما ذهبت إليه الروائية والأديبة المبدعة بشرى أبو شرار؟!
وطن الروح
ليستْ محضَ ذاتٍ مهمومةٍ بخبرات الكلام من تنكّبت ذات يوم حروفاً لها من الضوء حصة، ومن فتنة البوح الكثير، لكنها في قلبِ المدونة الفلسطينية المطرزة بالآلام والأوجاع، التي تسفرُ أبداً عن غير فجرٍ يليقُ بالكلام، وهي التي جهَرَ حرفها بدءاً لتشكيل هويتها حينما اكتشفها واكتشفته، ورسمتْ مسافته لجغرافيا روحها، جغرافيا الأمكنة والأزمنة المشتهاة كالمسافة من دورا إلى غزة إلى القاهرة ودمشق، في معادلاتها الروائية التي نهضتْ كمدونات لا تكتفي من وشي الروح وانثيالات الحنين وتقرّي حلم العودة، ذلك الحلم الذي ما انفك يتعالق بالكتابة حتى تكون أشبه بالاكتشاف الأول بُعيد انشطارات الروح التي مسّت عائلتها ما بين دورا وغزة العائلة التي صارت بجناحين لن يلتئما إلا في رواية كبرى حسبها الحياة، حينما تعيدُ ذلك الامتلاء الضروري للّغة فتنفتح على التجربة، وتُطلقُ الحكاية من بين الأصابع كطائرٍ شغفٍ بأول ضوء يعانق عينيه.
سيرة وطن
كأن سيرتها الذاتية ستكون المجال الخصب لسيرة وطن من العائلة، إلى عائلة الكلام ومحكياته المتواترة منذ أول لحظة ارتطام بالكلمة، وتطييفها إبداعياً وانتخاب ما يليق بها من بناء، حيث الراوي مروي عنه، وفي تلك الجدلية تتلامحُ خيوط السيرة الذاتية بأبهى تجلياتها، ويبدو الواقع بأماكنه وأحداثه وتواريخه وأسمائه وصوره هو الصورة الكبرى في مرايا روائية جعلت من الاغتراب فعلاً روائياً يأخذنا إلى المعاناة وبما تنطوي عليه من طرق استعادة « ماجد أبو شرار»، الأخ الذي ينهضُ عندها كمعادلٍ لحضور القضية والفقد بذاكرة سوف تفصح ُعن عوالم بعينها (أنين المأسورين/ القلادة/ جبل النار/ اقتلاع/ أعواد ثقاب/ شهب من وادي رم/ من هنا وهناك) كإشارات لذاتٍ روائيةٍ بشّرت بمفهوم أدب المقاومة الذي سوف نرى جملة تجلياته في أكوانها الإبداعية اللاحقة، الزاخمة بماهية الحكايات «حكايات تاريخ وطني وإنساني عام، هو تاريخ الأرض الفلسطينية أرض كنعان بوصفه تاريخاً للعالم والحضارة والإنسانية».
إنها بشرى أبو شرار الفلسطينية المولد والمقيمة في الإسكندرية، حيث تعلّمت وتعيشُ وتعملُ، ارتبطت بأمكنتها وشخصياتها كما لاحظَ ذلك غيرُ ناقدٍ، وهذا ما كانت تجلياته في «القلادة، أنين المأسورين، اقتلاع، أعواد ثقاب»، وهي بذلك تستعيد سيرة الأهل وسيرة المكان ولتبثّ صوتها الخاص في جغرافيا الإبداع بحثاً عمّا يعادل الفقد والحنين وغيرهما من مشتقات المجال العاطفي، لكنه المجال الأكثر خصباً لالتقاط الأدوات القصصية/ الروائية وهي بدأتْ من القصة تكتبُ إذن لتروي، وفي رويها جدليةُ الراوي والمروي عنه على نحوٍ جعلَ من أعمالها الأولى كما اللاحقة ميداناً خصباً لتأويل الحكاية الفلسطينية ورموزها وأبطالها لكي تبدو كمن يدوّن أساطير مشتهاةً لها نسبٌ من الواقع ولها بالوقت ذاته وفرةٌ من سعة التخييل لتكون المعادلة في التقاط مفردات الوطن هي نسجُ حيوات متجاورة لن يكون الأهل وحدهم فحسب، بل ثمة ما يذهب بنا إلى حفريات بعينها في الذاكرة القريبة والبعيدة تستعيدها كحاضرة كما في روايتها «من هنا وهناك»، فالمكان والأهل وهي فضلاً عن دلالات تربطُ الحاضر بالماضي وتفردُ للمعاناة صوراً كثيفة، وبعينها كروائية سوف لا تكتفي بـ«شهب من وادي رم» ومحكياتها بل لغتها الدرامية التي تنوّع فيها بكل ما امتلكت من تقنيات، والأدلّ في هذا السياق هو السعي للمماهاة ما بين الوثيقة والواقع، وأكثر من ذلك تلك «الببلوغرافيا» التي تعرّف بماهيتها الإنسانية، كما في روايتها «الشمس» التي كانت صدى لمراحل حياتية عاشتها.
أنشودة شمس
تقول الروائية بشرى أبو شرار في إهداءاتها في (أنشودة شمس): «إلى أمي»، وفي (شهب من وادي رام): «إلى جداتي اللواتي لم أراهنَّ، زبيدة.. لطيفة، إلى إخوتي»، فهل تكشفُ لنا هذه الإهداءات فعاليات الحنين وكيفيات تجلّيه في أعمالها الروائية/ الإبداعية؟ أو ما ذهبَ إليه النقادُ من أن ثمة خطاباً نسائياً معاصراً تجلّى لا سيما في روايتها «قمر في الظهيرة»، على أن ذلك الخطاب سوف يتراءى في غير منجزٍ روائي في متواليات إبداعها الروائي حتى يجعل منها أنشودة شمس عاليةً، تزنّر الروايات العربية المعجونة بنكهة تلك الجدليات ما بين الأنا والآخر، والأنا الوطن والأنا اللغة، وسوى ذلك مما يجتمعُ له في ماهية الوطن وكثافته في الأرواح وصولاً إلى كثافته في اللغة الروائية الأكثر قدرةً على الجهر عن مكنونات الذات ومكوناتها، بدءاً من التقاط مفردة الوطن وتطييفها في أنساقٍ صراعيةٍ يحتفي بها الإبداع، ويشكلُ من خلالها المعنى في روايات قادمة سوف تُعنى بتوقد المخيلة وتشكيل المعرفة من عجينة الواقع وتربته إلى المعنى الوجودي الذي يكتمل بدلالة العلاقة الروائية بين الكاتب والمتلقي، وبين الزمن بوصفه المجال الحيوي الكاشف لماهيةِ أسفارِ الروح في الأزمنة المختلفة.. تقول الكاتبة بشرى أبو شرار: «ما أكتبه هو أنا، أعترفُ بأن محطاتي دموع وسفر، وصوتٌ لم يمل السفر عبر الأثير، يسافرُ وحيداً، وقد يعودُ برجع الصدى، ما أجملَ لحظةً تعيدني لرفيق دربي الطويل، قلمي الذي يشاغبُ معي، يكتبُ وأسمعُ ضحكاته، يحزنُ، ينشجُ، ثم يأخذُ راحةً على أوراق متعبة».. هذا ما كتبته في روايتها «دورا» الخليل بما امتلكت من تنويعات سردية لها إيقاعاتها الخاصة، وأكثر من ذلك ما جعل منها جداريات مفتوحةً لثنائيات الموت والحياة، وتدوين الغياب/ الحضور، ووعي المسافة التي تقطعها الروائية بشرى أبو شرار في دروبها الكثيفة وآلامها المضنية، كل ذلك لاستحضار الغائبين، لكنهم ليسوا غائبين تماماً، «ماجد، غسان، ناجي».
(دورا) مكان الطفولة والهواجس
كانت «دورا» المكان والذاكرة الأولى، مكان الطفولة والهواجس وأرصفة الحنين، دورا «الأم» التي تستحضرُ غيابها شأنَ أمٍ فلسطينيةٍ تستحضرُ أولئك الغائبين/ أيقونات الذاكرة: «أعرف مدينتي تطلُ من رحم الأفق، وقد تلونت بالأزرق، شبابيكها مشرعة على حكايتي، بيوتها تلونت من تراب الأرض، هل مازالت تحفظ مكان يديّ عليها، كنتُ أمررها أتلمسُ الدفء فيها، وكأن الغد كان متربصاً بي ليلقيني بعيداً»، هو صوت الروائية حينما تعلنُ فلسطينها كاملةً بأزمنتها في جداريتها المضرجة بالفرح والوجع، واللون والحبر، واللوحات والمشهديات المتسعة الرؤيا وما لذلك من وشائج بتأسيس المكان المحلوم به لكي يكون صورةً للعائدين أكبر من حلم وأقلّ من غياب، فهل كانت بشرى أبو شرار إلا «شمس» امتداداً وعمقاً منسوجاً من ظمأ البعد وحرارة المسافة، ودلالة الصراع وغزارة التجربة بدالاتها الإنسانية الباذخة العلامة والاكتشاف، والمضرّجة بوطنٍ تعيدُ تشكيله في تلك المدونات.. وما أكثرها من عيون تدلُنا على وجع الفلسطيني الأول وفرح المقاوم، وتكتمل تلك المشهديات بمشروع حملَ صوتها صارخاً في برّيته مكابداً غربته، لصيقاً بذاكرة الوطن ومدنه التي ما اعتادت إلا أن تكون «بطعم البارود» من أقصى الجرح تخومُ روايات/ مشروع كانت بدايته المؤسسة الكثيفة الإرهاصات من خلال خفقات ذاكرة القصص القصيرة، التي اختتمتها «بجبل النار» وليعود مستأنفاً بنسيج روائي محكم في روايتها الأولى «أعواد ثقاب»، وفيه قلّبت صفحات طفولتها في فلسطين بين أهلها ورفاق أيامها قبل أن تغادرَ وتأخذها الغربةُ في رحلة غير مقدّرة للدراسة والعمل في المدن القريبة والبعيدة، ثم الزواج والأسرة لتحطَّ أخيراً في الإسكندرية، وشأنها شأن طيور أيلول التي لا تنفكُ تعود إلى أعشاشها، وعند بشرى أبو شرار لمّا تزل غزة مدينة عشقها الأول المحكوم بالبراءة الخالصة والتوجّس من الفقد ومكابدات الغياب القسري والارتحالات الموجعة، لكنها الأكثر تشبثاً بالمكان/ الهوية الأولى، ليصبح تالياً بوصفه فضاءً روائياً مازال يتعالق بمسقط الروح ومهوى الأسماء، وبدلالة سوف تؤلّف المعنى في أدب المقاومة وأشكالها المختلفة عند من لا يغادرون أبداً.. تقول بشرى: «أقفُ بالباب أنا وحقيبتي التي خلْتُها غريبةً عني، وهي القادمة معي من البلاد البعيدة»، وكأنها تذهبُ لاستعادة المكان الأول بشخوصه وناسه وحكاياته، الذين سوف نجدُ أنداداً لهم في رواياتها، التي قد تبدو كسيرةٍ ذاتيةٍ كثيفةٍ بسطرها الطويل المؤلف لكل اليوميات التي يعاني منها الفلسطيني إنساناً، عانى من نير الاحتلال فأوجدته من جديد ذكرياته التي تقاوم، «الثورة، الرفض، النهوض.. كُوفيات يلّفها الرجال على الأعناق فتخفي معالم وجوههم إلا من بصيص نورٍ يطلُّ من عيونهم.. عربات جيش تقفُ منزوية في الأركان، وعلى مداخل الأزقة مسيّجة بقواطع حديدية ضيقة الفتحات تحوطُ الزجاج الأمامي من رشقات الحجارة، تلاقيهم كسيل يعوقُ تقدمهم.. يسودُ الصمتَ ريبةٌ وتوجسٌ وإجراءات استحالتْ إلى واقع مستمر.. بادٍ للعيان ومبعثُ ضيق الإنسان صاحب الأرض... فبينَ الضفتين الغربية والشرقية سياج جفاف نهر.. تصريح هوية بلا جنسية.. ممنوع الدخول.. ابقَ هناك خارج الحدود، ومن ثم فالوطن صار كقطعة جبنٍ تناثرت عليها الثقوب».
مدنٌ بطعم البارود
وتستمر أناشيدها وجدارياتها لتكتحل عيون الحبر، ويضبط ُالقلبُ نبضه على إيقاع الحيوات السورية الصامدة في الحرب عليها، وتصبحُ الأسماءُ كوشمٍ نُقشَ على الذاكرة، كيف لا وهي التي تذوب المسافة مع وطنها وما يعانيه، لكنها بالمقابل - وهي تدوِّن إيقاع تلك الحيوات الضاجّة بالحياة- تبثُ وعيها بالنصر، وتحتفي بالأمكنة، وتستأنفُ مشروعها في صوغ المقاومة إبداعاً يخطّه المقاومون والجرحى والشهداء الأكثر جدارة بالحياة، رواية/ مدوّنة كثيرة الشجن والاحتفاء، وتعبيرات الوجدان الجمعي الذي تصوغه الكاتبة بشرى أبو شرار بنقاء وطني وحرارة تعبير ملهمين يرتقيان بالأفعال وبخزان من ذكريات وآلام وتدوير للحكايات، وعودة منها إلى النبع المصفى، هي فضاءات بشر وأزمنة لا تتكرر برمزياتها ودقائق محكياتها، وشرحها إذ يطول حتى يطال أعمار من ظلوا هنا هناك.. كيف لا وهي الكاتبة العربية ووعيها لا يقفُ عند مأساتها الفلسطينية فحسب، بل سيتجاوز إلى استشراف غيرَ همٍّ عربي لتكون الرواية موقفاً أكثر منه رؤيا من العالم.. استشرافٌ يفيضُ بمن وعى التجربة، وذهبَ إلى الزمن التاريخي ليقفَ عنده بذاتِ الرؤيا حينما تترجمها أفعالٌ روائيةٌ بتواتر علاماتها وماهياتها العشتارية- الكنعانية- الفينيقية والآرامية كدلالات لحضارة الروح.
تجربة إبداعية وإنسانية
بشرى أبو شرار في هذا السياق تجربةٌ إبداعيةٌ وإنسانيةٌ ظلّت تواسي معاناة التمزّق بين عالمين، عالم الوطن «فلسطين» وعالم المهجر «مصر»، لكنها وهي المحمولة على دلالة الاغتراب أدركتْ أن المقابل له -الاغتراب- هو الإبداع الذي تستنطقه الذاتُ في سرديات مختلفة، وتتنوعُ علاماتها ليس بحيازة الاسم فحسب، بل بقلق التجربة وإشراقاتها في معنى أن يجعل الإنسان من اللغة وطناً بذاته، فكيف به إذا كان مبدعاً؟!

سطور وعناوين
- كاتبة قصة ورواية.
- ولدت في غزة وتعلّمت في مصر واستقرت بالإسكندرية.
- عضو في اتحاد كتّاب مصر.
- عضو في اتحاد كتّاب فلسطين.
- عضو في مجلس إدارة نادي القصة بالقاهرة.
- حاصلة على ليسانس حقوق- جامعة الإسكندرية.
- حاصلة على جائزة إحسان عبد القدوس في القصة القصيرة.
- فازت بجائزة الجمهورية عن روايتها (شمس) الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب 2009.
- فازت بجائزة دمشق للرواية العربية (مدن بطعم البارود) 2016.
- من رواياتها (أعواد ثقاب، شهب من وادي رم، من هنا وهناك، أنشودة شمس، العربة الرمادية، تاج الياسمين، قمر في الظهيرة).
- يقول الناقد عبدالله تايه: «حين تتسللُ الكلمات من حبة الفؤاد مسكونةً بحروف الألم الدائم، والحزن الساكن في العقل والوجدان، تكون المسافة بين هنا وهناك ليست بزيادة حرف الكاف، ولكنها جغرافيا معجونةٌ بالمسافات والألم، والفراق القسري بين تصالح النفس وثورتها على الأسلاك وجوازات السفر وتصاريح المرور».
- تعكسُ بشرى أبو شرار جوانب ثريةً في شخصية ماجد أبو شرار شقيقها الشهيد، الذي يلازمها هاجساً وسؤالاً يؤرقها.. ما يؤكد شخصية ماجد بما تحمله من دلالات وطنية وثورية تعكس روح التواصل مع عدالة القضية الفلسطينية.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة