الجمعة, 16 تشرين الثاني 2018
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 45 تاريخ 5/2/2009 > الضرب في المدارس..المعلمون: أغيثونا من العنف..
الضرب في المدارس..المعلمون: أغيثونا من العنف..
إن الحملة الإعلانية التي قامت بها وزارة التربية قبل سنتين، وصرخة «أغيثونا من العنف» التي أطلقها بعض المعلمين أثناء إعداد هذا التحقيق استوقفتني، ودفعتني للبحث والتعرف إلى العنف وعلاقته بالتربية، فإذا كانت التربية وفق التعريف الاصطلاحي هي مجموعة العمليات التي بها يستطيع المجتمع أن ينقل معارفه وأهدافه المكتسبة ليحافظ على بقائه وتعني في الوقت نفسه التجدد المستمر لهذا التراث وأيضاً الأفراد الذين يحملونه، أو حسب تعريف بعض الفلاسفة أنها تكوين الأفراد تكويناً اجتماعياً، فإن العنف حسب الموسوعة المعرفية العلمية هو فعل موجه ضد الآخرين.. هذا الفعل قد يكون مادياً أو معنوياً، يسبب أذية ما.
جهينة –عبير القتال:

قد تعوزنا المعرفة بأصول التربية الحديثة، والإلمام ببعض أبجديات هذه التربية، لذا توجهنا في بداية تحقيقنا إلى الدكتورة آرليت القاضي الاختصاصية بعلم النفس، التي أكدت أن الفرد يلجأ للضرب عندما يفقد الصبر، ويريد نتيجة سريعة، إذ يعتقد أنه بذلك يخيف الشخص الذي يضربه خاصة إذا كان طفلاً، بالتالي يردعه بالخوف والألم. فالضرب بحدّ ذاته لغة من لغات التواصل، واعتياد الإنسان هذه اللغة سيؤدي لتبنيها من قبل من يمارس عليه «الطفل» مستقبلاً فيتعامل بالضرب مع أقرانه وحتى مع من يكبره.
وترى أن «النظرة» من وسائل العقاب الناجعة كأن أظهر انزعاجي أو تفاجئي من التصرف الذي أبداه الطفل، فتكون النظرة بمثابة رفض وعدم تقبل هذا التصرف من قبلي وأحياناً أظهر غضبي بسؤال «كيف تتعامل معي بهذه الطريقة؟» أو ربما أغادر الغرفة وهي طريقة فعّالة مع الطفل. يقول طاغور: كثرة الضرب تعمل من الحصان حماراً , لكن لا تعمل من الحمار حصاناً.
لذلك الضرب ليس وسيلة، ربما تستخدم اليد والعصا والمسطرة، لكن علينا ألا ننسى أن ما يتجمع من قوة في الفرد الغاضب وهو يمارس العنف يصل إلى 24% من قوته الحقيقية، فكيف بهذا الطفل وتلقيه مثلاً صفعة مفاجئة وما قد تسببه هذه الصفعة؟!
التربية الحديثة - كما تقول الدكتورة القاضي- تتجه للتحدث والحوار مع الطفل منذ ولادته.. وعلى الأم والأب وكل من يعيش في محيطه أن يتعلم الكلام مع الطفل، هذا التواصل هو مرحلة التسجيل للمستقبل، وهو طريقة لضبط سلوكنا حيث يتعلم أن هذه الطريقة هي الصحيحة في العلاقات، فنظهر انزعاجنا منه لدرجة توصله للاعتذار، وعملية الاعتذار يجب ألا تصبح روتيناً، فنحن الكبار عندما نعتذر نفسر اعتذارنا بأننا أخطأنا، علينا ضبط سلوكياتنا وألا نصل إلى الانفعال الشديد، وألا نهمل الطفل إلا بحجة مقنعة.
وتضيف القاضي: عندما نتحدث للطفل علينا محادثته عيناً بعين، فعملية الإصغاء هامة، تقوي شخصية الطفل فيعترف بأخطائه ويبحث عن حلولها، وبغياب ذلك نصل إلى «حوار الطرشان» الذي يسببه الغضب.
كل ذلك يتطلب جهداً إضافياً من المعلم وتحضيراً أوسع لمادته وتقديمها بأسلوب سلس محبب، مما يشدّ انتباه الطالب ويحول مناقشة الدرس للعبة أو مباراة دون ضجيج، لأن التزام الهدوء والحل الصحيح يعني علاقة أفضل، ورغم ذلك هناك حالات لا تستجيب للانضباط فيأتي دور الإرشاد النفسي.
وتختم القاضي: علينا لفت النظر إلى السلوكيات السلبية دون أمر أو قسر أو توبيخ، كأن أصحح جلسة الطالب أو آخذ القلم الذي يسبب الضجة، علينا معرفة سبب سلوكية الطفل «جوع- مرض عضوي» لذلك على التربية إجراء فحص طبي للتلاميذ وإعلام الأهل عن الحالات المرضية.
أغيثونا من العنف
أن نطلق عنواناً بحجم «أغيثونا من العنف» ليس تجرؤاً أو اختراقاً لتعاميم وزارة التربية، إذ ناقشت الصحافة، غير مرة، كل ما صدر عن وزارة التربية واحترمته ووضعته ضمن سياقه الطبيعي «الإرشاد الاجتماعي والنفسي – منع الضرب – الدمج..» إلا أن نداءات الاستغاثة من المعلمين، والمطالبة بالموضوعية وعدم الاكتفاء بوجه واحد، ودمعة إحدى معلمات الصف الأول التي كوفئت في عامها الأخير في التعليم بالنقل جراء شكوى من الأهل، كل ذلك قادنا إلى من كادوا أن يكونوا رسلاً فكانت هذه الآراء:
ماهر- معلم حلقة أولى قال: لم تعد المسألة منع الضرب في المدرسة، بل تحوّلت الحالة الفردية «الضرب» إلى ظاهرة بتعميمها عبر الإعلام أو الإعلان الطرقي. ونحن من خلال اجتماعاتنا كأعضاء في النقابة توجهنا لحل الخطأ الذي عممته الإعلانات في اختصار العنف في المعلم بعبارة «لا للعنف ضد التلاميذ» .
ويضيف: هناك تناقض في أسباب العقوبة الموجهة للمعلم، ففي الوقت الذي نقرأ كتاباً وجهته «التربية» منذ أكثر من سنتين يعاقب معلماً بحسم 5% من الراتب لشده أذن طالب، نجد عقوبة أخرى بحق معلم آخر لعدم ضبطه الصف، علماً أن القاعة تضم أكثر من 40 طالباً، كما نلاحظ غياب نقابة المعلمين عن التحقيقات والعقوبات الموجهة للمعلم، مؤكداً أنه لم يعد للمعلم حصانة، فهو يدخل غرفة التحقيق كمعلم ليخرج –في أغلب الأحيان- مجرماً مداناً باعترافات يجبر عليها، وهو يبقى كذلك حتى يثبت العكس.
كما شوهت الرقابة بعض المدارس، بأن حوّلتها إلى منفى للمعلمين العنيفين، وكل مشكلتنا هو الإعلان غير المدروس الذي قامت به التربية، إذ كرست مفهوماً سائداً بأن المعلم سيضرب ويقسم ويطرح هذا الطالب، صارت المهنة وقدسيتها راتباً في نهاية الشهر، طالما هناك من يرى ما لا يراه المعلم، ويتخذ القرارات بمعزل عن تجربة المعلم الطويلة.
ويقول المعلم مؤيد أحمد- حلقة ثانية: نعم هناك طلاب عنيفون، يشكلون خطراً على أنفسهم وزملائهم، فمثلاً عمد أحدهم إلى جرح إصبع زميله بشفرة المبراة، وهو من المشاغبين والمدخنين، للأسف في ظل غياب الأهل وتفاعلهم معنا وعجز التوجيه التربوي عن حل هذه المشكلة كان الضرب هو الحل رغم عدم قناعتي به.
ويرى خالد عبد الله – أمين مكتبة أنه لا يوجد معلم مظلوم في ظل القرار، المشكلة في الأهل وتربيتهم القائمة على الضرب، وتحول المدرسة –عندهم- إلى فترة راحة من ابنهم وليس للتحصيل العلمي. إضافة للتوجيهات الصارمة من قبل التربية، فمثلاً وتجنباً لأي حادث طارئ يوقعنا في مساءلة، عمدنا نحن «المعلمين المناوبين» أثناء الاستراحة بين الدروس لفصل المراحل والحلقات «أولى وثانية» ثم الجنس «ذكور وإناث» لتلافي الحوادث التي تحمّل المناوب كل المسؤولية، مع العلم أنه قد يكون الإشراف على المناوبة لأربع معلمات أو أربعة معلمين وعدد الطلاب في الباحة أثناء الفرصة لا يقل عن 800 طالب، لقد تحوّلت الفرصة لمنع تجول، فما تعليقكم وكيف يمكن إعادة الثقة والأمان للمعلم في حوادث نتائجها لم تكن مشجعة؟!..
وتحدثنا المدرّسة منيرة - تربية إسلامية عن تجربتها: تعرضت لحادثة وضعتني في موقف لا أحسد عليه، حين نزلت إحدى طالباتي أسفل المقعد لإحضار قلمها حيث اصطدم رأسها بالمقعد وأغمي عليها، قمنا في المدرسة بإسعافها، لكن الأب كافأني بتقديم شكوى ضدي متهماً إياي بضربها. مؤكدة أن قائمة الممنوعات على المعلم، أفرزت طلاباً لا تجدي معهم الكلمة بل غالباً ما تسوّل لهم أنفسهم تجاوز أدبيات العلاقة مع المعلم، لتتحول تعليمات التربية سوطاً ضد المعلم.
وتؤكد المدرّسة سلاف – حلقة ثانية: لست مع الضرب لكن ما هو البديل؟؟ مضيفة: يقول هيغل «لوّح بعصا النظام ولا تضرب بها»... سابقاً كان للعصا دور في بيئة لا تعير للتعليم أهمية، ففي شعبة تضم 36 طالباً فيها 5 تلاميذ يستطيعون القراءة من الصف الخامس فقط، تحوّل بالعصا 30 طالباً منهم إلى جيدين، أربعة منهم متفوقون. السؤال الذي يؤرقني: ما الحل مع الشغب والتقصير الدراسي المتكرر والتأخر عن الدوام المدرسي؟؟.. من تجربتي أجزم أننا في السنوات السابقة ضمنا إنهاء طالبنا دراسة الابتدائية وهو متمكن من القراءة، الآن للأسف يخرج بالنقل من صف لآخر دون نتيجة بسبب الكثير من المشكلات أولها وقاحته في التعامل مع معلمه.
ويرى سامر- معلم رسم- حلقة أولى أنه على المعلم أن يجرّب مع الطالب، بين ترغيب وترهيب حتى لا يتجاوز الطالب حدوده مع معلمه. مضيفاً: تقريباً شهر وأنا أبحث في البيئة ونفسية طلابي حتى تمكنت من تغيير الكثير من المفاهيم الخاطئة، لكن ما يثير الانتباه أن يأتينا الطالب محمرّ الوجه وعينه مزرقة وعند السؤال يجيب: «ضربني أبي».... لماذا لا يعاقب الأب؟؟!..
وحول منع الضرب يؤكد مازن – معلم حلقة ثانية، أن ما ورد من وزارة التربية باعتبار منع الضرب قراراً، والكتب التي جاءت تحمل عقوبات بحق المعلمين ليس فيها أي صيغة قانونية، فالصيغة القانونية تلزم العقوبة، وهناك أمثلة كثيرة على معلمين عوقبوا بناء على شهادة الطفل أو الأهل وتم تغييب رأي الإدارة والثقة بهذه الهيئة التعليمية وتكذيب شهادتها.
وهنا أتوجه بسؤال: إن لم يكن هناك من نص قانوني، فعلى أي صيغة تتم معاقبة المعلم؟ وأمام إهمال الأهل في متابعة أبنائهم كيف للجهاز التدريسي أن يغيّر سلوك تلميذ مهمل أو مشاغب أو شاذ مثلاً؟؟!..
ويتساءل كاظم – مدرس فلسفة: لماذا الإعلام ضد المعلم؟! في السنة الماضية فوجئنا بحملة إعلانية تستهدف المعلم تحت شعار لا للعنف ضد التلاميذ.. كان يفضّل من القائمين على مثل هذه الإعلانات والترويج لها البحث في سبل التوعية «توعية الأهل» من الناحية التربوية وليس التأكيد على نشر ظاهرة غير موجودة وإشاعة الخوف من المعلم والتطاول عليه وهو يؤدي رسالته التربوية.. اللوحات المقصودة التي تستهدف المعلم، برأيي، أخذت منحى خاطئاً وأوسع من مجرد إعلان في قضية ما، ودفعت قنوات فضائية مغرضة للتصريح بأن المدارس السورية تمارس العنف على طلابها؟!!..
ويضيف: المعلم الذي كان يعامل كمرجع اجتماعي تحوّل – وفق اللوحات الإعلانية- إلى مسبب للعنف... الطرح الناقص مهّد الطريق لتربية أقل احتراماً، قد يكون الطفل في الغرب لا يُضرب، لكن في مجتمعاتنا الطفل في أسرته يعامل بالضرب، وهذا يتجاهله القائمون على العملية التربوية، لماذا لا نتوجه للأسرة أولاً فالمدرسة مكمل للعملية التربوية في البيت. لماذا لا تقوم وزارة التربية بحملة موازية لحملة العنف، تعزز دور التربية في إنتاج العقول، وبالتالي تؤكد دور المعلم التنويري والأخلاقي؟!.
وحول الشكوى الكاذبة يقول فايز - مدير ثانوية للذكور: تمت إحالتي للقضاء جراء شكوى كاذبة، بأنني تسببت بثقب غشاء الطبل لأذن طالب، جاءت الشرطة واقتادتني أمام التلاميذ وكان هذا كافياً للإساءة لي وإشاعة عدم احترام المعلم... أمام المحكمة تبين كذب التقرير الطبي، فلم أضرب الطالب الذي لم يثر حمله للموبايل وما يحتويه من صور تخدش الحياء اهتمام المحكمة والتربية أيضاً. السؤال لماذا يعامل المعلم كمجرم؟ ألا يشفع له دوره الإنساني والتربوي في أن يعامل باحترام أكثر فلا يقاد كمجرم أمام تلاميذه.
ويتحدث توفيق - مدير مدرسة إعدادية: نعاني دائماً من بعض المخالفات، فمثلاً يأتي بعض الطلبة بثياب ملونة غير اللباس المدرسي الموحد، أو يهملون وظائفهم، أو يتأخرون في دوامهم، وهذا يتكرر يومياً، وحين نطلب الأهل لنتناقش يرفع بعض الطلبة صوتهم، ويتلفظون بكلام نابٍ والأهل يتفرجون، وكثيراً ما نفاجأ بردة الفعل عندما يمسك الأب بأي شيء على الطاولة ليضرب ابنه وقد يؤذيه. لسنا مع الضرب ولكن نحتاج طرقاً ناجعة لتوعية الأهل وتعاوناً جاداً من التربية في إعادة طرحها للكثير من القرارات ذات الحساسية في صلتها بالمعلم والطالب على حدّ سواء. فكل ما يصدر عن الوزارة ليس له نص ميداني، لم يتم النقاش فيه مع أي معلم صف، إضافة إلى أن هناك مسؤولين في الوزارة لهم عقود طويلة يمارسون عملهم بعيداً عن الميدان والتربية والمجتمع، لتتحول الوزارة في بعض قراراتها إلى تقليد للتربية الغربية في بعض جوانبها وترسيخها في مجتمعنا الشرقي.. نريد لتجاربنا وأبحاثنا الميدانية أن تكون الفيصل فيما نعانيه.
وتؤكد سامية – معلمة حلقة ثانية: لم أسمع بقرار أو قانون، بل في كل فترة نوقع على ورقة «يمنع استخدام المسطرة أو العصا»... المعلم إنسان فإن كان الراتب هو الحافز الأول لامتهان التعليم فلن يكون دوره كجزار هو الحافز الثاني.. الجميع معنيٌ بمنع العنف، بدءاً من الأسرة والجيران وانتهاء بالمدرسة.. لذلك علينا الإيضاح والتفريق بين الضرب والعنف.. كلنا مساهمون بالعنف من خلال ما نلتقطه من القنوات الفضائية والواقع الذي تعيشه البلدان المحتلة، ثم المنهاج الضخم الذي يرهق المعلم والطالب والأهل... التربية نظام والكون أقيم على النظام فلماذا تحاربون المعلم؟!.
الطفل يتقبل العقوبة من المعلم على ما أخطأ، لكن طرح التربية المرفق بعقوبة المعلم جعل الأهل يعززون لدى ابنهم الصلاحيات التي توقف المعلم وتهدده.
ويرى مسلم – معلم حلقة أولى أن الضرب في مدارسنا حالة فردية، كما أن الثواب والعقاب من أصول التربية وكل عمل تأديبي هدفه ضبط النظام، وهذه قضية داخلية لبناء الإنسان. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا يحق لنا الحلم بصف مجهز بالوسائل التربوية فيه رقم نموذجي من الطلاب ( 24) طالباً مثلاً حيث يصبح وقت الطفل ممتلئاً؟!.
ويؤكد فراس – معلم حلقة ثانية أن العنف يُمارس على المعلم وبقسوة، فقد تعرضت للابتزاز المادي جراء شكوى كاذبة، حتى لا يتم توقيفي على ذمة التحقيق ويتم فيما بعد التأكد من كذب الشكوى وحتى لاتصل للرقابة وتصبح سارية المفعول لأن آخر اهتمامات نقابتنا البحث الجدي في مصداقية الشكوى المقدمة، فالطالب صادق حتى لو شهد المعلمون والجهاز الإداري وتعاطف الشرطي.. نعم دفعت 10آلاف ليرة لإسقاط دعوى كانت كاذبة ستكلفني سمعتي.
وترى سلمى- مديرة مدرسة ابتدائية ضرورة عدم التغافل عن مبدأ الثواب والعقاب، كما فرقت بين العقاب على سوء السلوك والعقاب على التقصير الدراسي. وأكدت أن «النظام وضبط النفس ومعرفة حدود الشخصية وحقوق الآخرين» مكونات السلوك والمدرسة المكان التربوي الذي يدعم هذه السلوكيات، فالمدرسة بيئة مصغرة للمجتمع الذي سيخرج إليه، فهل نتجاهل شذوذ بعض الطلبة والإخلال بالآداب والهروب المدرسي والكثير من المشكلات التي تعترض سير العملية التربوية، لست ضد منع الضرب لكن علينا الانتباه لمبادئ أساسية بدأت تُمحى من ذهن طلابنا حول قيمة العلم والمعلم.
ولا ينكر غسان- مرشد نفسي حلقة أولى حمله للعصا، بقوله: بعد عام من العمل اضطررت لحمل العصا، في مدرستنا نعاني التغيب والهروب المستمر والمشكلة الأخطر في فهم القوانين وتطبيقها بما يحمي الطالب، فأمام إلزامية التعليم الإيجابية يتغيب الطالب 15 يوماً يداوم بعدها لينجو من العقوبة، ثم يكرر ذلك، وهذا ما دفع بأقرانه لتقليده، لتتفشى اللامبالاة والشغب والقبضايات داخل وخارج المدرسة، وكل ذلك بعلم الأهل، فمصلحة «الحدادة- اللحام..» أفضل من قضاء ساعات خلف المقعد الدراسي. تحتاج القرارات التي نصدرها إلى دراسة وافية للواقع الاجتماعي «الوعي المتدني، الفقر، حساب ما توفره التربية من احتياجات العملية التربوية..»؟.
مثلاً العقوبة حسب النظام الداخلي «تنبيه خطي – إنذار مسجل – فصل» ولا يجوز الفصل أكثر من مرتين، ثم ينقل الطالب إجبارياً لمدرسة أخرى، وعقوبة الفصل كانت الأحب إلى الطلاب فهي تخلصهم من الواجب المدرسي، أما بالنسبة للغرامة المالية فهي ليست إلا ثمن طوابع «37 ليرة» تشترى من خارج المدرسة، حبذا لو يتم فرض غرامة مالية يعود ريعها للمدرسة وتطويرها وليس للوزارة.
وتؤكد نهلة- معلمة حلقة ثانية أن الطفل الذي ربي على الضرب تختفي كرامته مستقبلاً، لكن للبيئة سطوتها، فبعض طلابنا يتحدث كلمات نابية ويتصرف بما لا يمكن تجاهله.. نعالج المشكلة معنوياً لكننا نضطر للضرب، مهما كان المعلم صاحب شخصية قوية ومرنة فهو مضطر لاستخدام العصا للترهيب أمام عدد كبير من الطلاب في القاعة بعضهم لديه إعاقة مما يتطلب معلماً خارقاً.. ليس كل أطفالنا نخبة، الوضع الذي يعيشون فيه لا يجعلهم نخبة أو في مستوى تأديبي واحد.
بين تأييد الأهل ومعارضتهم..؟!
في الوقت الذي اتفق المعلمون على ضرورة منع الضرب والعنف في ظل الكثير من المشكلات التي تحتاج إلى إعادة نظر ودراسة، نجد الأهل بين معارض وموافق لمنع الضرب وكلٌ له أسبابه:
فإن كانت زهور لا تقبل بضرب ابنها من قبل معلمته ولو رسب في دراسته، فإن قيس الأستاذ الجامعي وولي طالب في الحلقة الثانية يؤكد أنه مع الضرب، فهذا الجيل لا يميز بين الحقوق والواجبات، في الجامعة لا يُضرب الطالب لكن هناك حالات هجوم من الطالب على أستاذه، ربما في المرحلة الجامعية تساعدنا صلاحيات لا يمكن ممارستها في مدارس التعليم ما قبل الجامعي.
لنجد المهندسة مرام تقول: أرفض ضرب ابنتي حتى لو قصّرت، لكن هناك حلقة مفقودة حاولت جاهدة معرفتها، فابنتي تأتي دوماً وهي تشكو صداعاً، وعندما سألت المعلمة عن عدد الطلاب، كانت المفاجأة 40 طالباً، عذرتها أن يمرّ يوم ولا أجد ملاحظة على دفتر ابنتي، وكذلك عرفت سبب معاناتها.
بينما كمال- أستاذ في كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية وله ابنة في الحلقة الأولى يقول: كلنا ضد أن يضرب أحد أبناءنا، لكن في بريطانيا التي صدّرت لنا العصا، ثم منعتها عادت وأدخلتها من جديد لأنها لم تجد البديل، أنت أمام واقع تربوي معين بمستلزماته وقدراته وإمكاناته، طبعاً هناك الكثير من قرارات وزارة التربية التي لا تخدم العملية التربوية، نحن في سورية من المرحلة الأولى إلى الجامعية كلها تجريب، والذي ينجح نستمر به وإن لم ينجح نجدد بآخر. ليس من أسس مدروسة أو تجربة ميدانية، نفتقد تجربتنا الخاصة المتوافقة مع البيئة، نحن أمام سباق علمي بدأ يلغي مع الوقت دور المدرسة «التعلم عن بعد»...
ويقول فيصل الذي يعمل بائعاً: إن منع الضرب أثّر على دراسة ابني، فقد أهمل دروسه كما أن عملي الطويل منعني من متابعة دراسته أولاً بأول ووالدته تعاني من صعوبة المنهاج مما أضاف عبئاً جديداً حين استعنا بمعلم خارج المدرسة، لأفاجأ بشكوى المعلمة أن ابني صار يهرب من الحصة الدراسية بزعم أخذه الدرس في البيت، أمام ذلك لم أجد غير الضرب علاجاً...
لكن عماد الذي زار المدرسة إثر شكوى تقصير ابنه دراسياً وسلوكياً، يقول: في كل زيارة أؤكد لمعلمته (اضربي وأنا أجبّر).
العودة إلى العصا
لكن ماذا عن الطفل محور اهتمامنا والذي لأجله تحرص وزارة التربية على إصدار كل ما من شأنه دعم عملية تربيته، فقد ذهلنا من بعض الإجابات بل من إصرار البعض على أهمية العصا وحديثهم عن العقاب الذي ينالونه في البيت بكثير من الضحك وكثير من استغرابهم السؤال، وتباينت آراؤهم حول العنف والضرب:
يؤكد فراس اسمندر- صف سادس: لا أضرب في البيت، إذا كان الطلاب مشاغبين على المعلمة حمل العصا؟ ويتابع: في الصف طالب مشاغب وأطول من المعلمة أدخل القلم في عين صديقنا ومرة ثانية ضرب آخر بحديدة.
لكن مجد ستيتي- حلقة ثانية يقول: العنف يختلف عن الضرب وحبذا عودة العصا لأنها تلزمنا بالدراسة.. وظاهرة الإعلان الطرقي التي ملأت مدينتنا في إحدى السنوات شوهت صورتنا وكأننا أولاد غير أخلاقيين. لماذا لا نُضرب؟!.
ويضحك سامر- حلقة ثانية قائلاً: نعم نعاقب في البيت بأساليب مختلفة «العصا، اليد، الخيزرانة» وفي المدرسة كثيراً ما يسامحنا المعلم، وفي حالات كثيرة يحسم لنا علامات فيسود الهدوء لبعض الوقت.. درست في إحدى المدارس وتعرضت فيها للضرب والشتائم لكن كنت أحصّل علامات، اليوم أقول بكرة بحفظ أو بعد غد أو بعده..
وباستغراب يقول خالد خاروف - حلقة ثانية: لا يوجد عنف في المدرسة، فالضرب ليس عنفاً لأنني أعاقب في البيت على كل جسدي وأتألم.
ويتحدث محمد- حلقة ثانية وهو يبتسم: والدي يضربني عندما أخطئ، وفي المدرسة أضرب بالمسطرة لشغبي، سمعت بمنع الضرب، لكن أستغرب لماذا؟ أنا ضده في المدرسة لكن مع الضرب في البيت على ألاّ أحرم من مصروفي.. بصراحة عندما يزداد الشغب، وربما أكون مشاركاً فيه، تنتهي الحصة الدراسية ولا نعلم ماذا أخذنا..
برسم وزارة التربية
التحقيق هو دعوة لفتح باب التعاون بين الوزارة والهيئة التعليمية صناع الفكر، والنظر في العنف الواقع على المعلم والطالب، سواء من القرارات المتتالية والتي لا يكون المعلم طرفاً فيها بل مداناً دائماً أو من المنهاج والبيئة التعليمية غير الصحية، فإتمام العملية التعليمية يتطلب مساحة من الحرية والثقة بين الطرفين، إضافة إلى أن العملية التربوية عملية إنسانية شاقة.
فلماذا لا نضع لائحة للعقوبات بغير الضرب تعلن رسمياً وتمارس بشكل مستمر وعادل بين الطلاب، وتقوم التربية بتأهيل المعلمين من خلال دورات تربوية وتعليمية تدفعهم للابتكار والإبداع في الطرق التعليمية بما يحبب المدرسة إلى نفوس التلاميذ، وتحترم تجارب المعلمين وتعممها، نحتاج باحثين اجتماعيين في المدارس لصنع تجربتنا.

ملاحظة: تم إعداد هذا التحقيق من خلال بحث مطول واستقصاء واستقراء بعض الوثائق التي حصلنا عليها من دوائر التربية، واستغرق العمل ثلاثة فصول دراسية حاولنا فيها مقاربة الظاهرة من زواياها المختلفة، ورصد أكبر قدر من ردود الأفعال بمستوياتها المتعددة.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة