الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
مجلة جهينة > تحقيقات > بين أعداد المتدرّبين وسوق العمل..هل (تتاجر) مراكز التدريب الإعلامي بأحلام الشباب!؟
بين أعداد المتدرّبين وسوق العمل..هل (تتاجر) مراكز التدريب الإعلامي بأحلام الشباب!؟

علي مهنا شداد
لم يعد خافياً على المواطن السوري (اليوم) أن الإعلام هو من أهم الأسلحة التي أوصلت البلاد إلى الوضع الحالي من الصمود، ما فسح المجال لتزايد أعداد مراكز التدريب الإعلامي في سورية، مع ملاحظة زيادة في الإقبال عليها نتيجة النقص الحاصل في الناحية العملية والتطبيقية للكليات المتخصصة في هذا المجال، ونقصد هنا « كلية الإعلام» بالتحديد التي اقتصر فيها التعليم مؤخراً على الجانبين النظري والأكاديمي.. فما هي المشكلات التي تعانيها الدورات في هذه المراكز؟ وما سبب علامات الاستفهام الأخيرة من الطلاب الذين يخضعون لهذه الدورات؟ وما الشروط التي يجب أن تتوفر في هذه المراكز؟ وهل تعمل بشكل نظامي؟ وبين هذا وذاك هل الطالب اليوم هو ضحية سوق العمل أم ضحية خياراته، أم إن هذه المراكز تتاجر بأحلامه من خلال الإعلانات عن دوراتها بشكل يوهم المتدرب بفرص عمل محققة؟ وما رأي المدرّبين بهذه الدورات؟ وهل هناك بالأصل تقييم صحيح للشهادات التي تمنحها هذه الدورات للمتدرّبين، أم إنها مجرد استثمار للشهادات الممنوحة ليس إلا؟
نبدأ هذا التحقيق ببعض التساؤلات التي طرحناها على عدد من الطلاب الخريجين والذين ما زالوا قيد الدراسة في كلية الإعلام باعتبارهم المعني الأول حول آرائهم بهذه المراكز وعن الأسباب التي دفعتهم للتسجيل فيها:
المراكز الإعلامية.. نوع من المتاجرة
يقول الطالب ورئيس الهيئة الإدارية في كلية الإعلام صالح المطرب: بصفتي طالباً أولاً ورئيس هيئة إدارية ثانياً أقول إن هذه الدورات هي نوع من المتاجرة لأن التعلّم غير مرتبط بهذه الدورات لسببين: الأول هو أن من يود التعلّم حقيقة فإن كلية الإعلام فعّلت مؤخّراً الجانب العملي، فخلال السنتين الماضيتين أقامت أكثر من دورة، وأضع الحق في ذلك على الطالب الذي لا يلتفت إلى هذه الدورات المجانية التي استطعنا خلالها اجتذاب مدربين أخذوا شهادات دولية على مستوى الوطن العربي مثل (دورة الصحافة الاستقصائية) التي حاضر فيها مختار الإبراهيم الحاصل على جائزة أفضل تحقيق عربي عام 2014، وكان عدد المسجلين في هذه الدورة يقارب 280 طالباً ولم يحضر سوى أقل من ثلاثين طالباً! وأتبعناها بدورة (مراسل حربي) بالإضافة إلى عدة دورات، وكان في كل مرة يحصل الفرق نفسه بين عدد المسجلين والحاضرين، والمفاجأة الأكبر هي أن الطلاب من خارج كلية الإعلام كالطب والآداب كانوا أكبر عدداً من طلاب الإعلام! والسبب الثاني هو أن ما تقوم به هذه المراكز التدريبية لا يختلف عما تقوم به الكلية، وبرأيي إن الطالب حينما يقوم بالتدريب في موقع إخباري أو أي وسيلة إعلامية ستكون الفائدة بالنسبة له أكبر وستغنيه عن 1000 دورة. وتابع: لذلك قلت إنها متاجرة لأن التعليم يكون ذاتياً حينما يريد الطالب ذلك بوسائل كثيرة وخصوصاً أن كل شيء أصبح متاحاً عن طريق الإنترنت.
وأضاف المطرب: إن بعض الطلاب الذين شاركوا في هذه الدورات قامت الكلية بتأمين فرص عمل لهم في بعض الصحف كـ(تشرين) إضافة إلى بعض المواقع الإلكترونية ولكنهم تركوا العمل خلال فترة قصيرة.
شهادة إضافية لـ»CV» فقط
الخريج إيهاب عوض قال إنه لم يستفد من دورات المراكز من ناحية العمل وعلى الصعيد الشخصي، حيث لم يكن هناك تطوّر بقدر ما كان هناك صقل بسيط جداً لخامة الصوت، وتابع: أما عدا ذلك فلم أستفد صراحة، وبالنسبة للدورات الأخرى كالتحرير لم أستطع الاستفادة أو إضافة شيء إلى ما تعلمته في كلية الإعلام، فقد سجّلت في هذه الدورات لأن بعضها رخيص نسبياً وأعتبرها مجرد شهادة أضيفها إلى «CV»، إذ هذه الدورات لم تساعدني أبداً على الدخول في سوق العمل، مضيفاً: إن خيارات الطالب يمكن لها أن تكون السبب في فشل الحصول على عمل، حيث ينبغي عليه أن يوفق بين انتقاء الدورات وقدراته ومؤهلاته الشخصية، فمن الملاحظ أن دورات الإلقاء والتقديم في هذه المراكز تشدّ وتدغدغ أحلام الطالب على حساب الدورات الأخرى!
أجواء المراكز أفضل من الجامعة
الطالبة هبة سعيد قالت: إن الدورات تقدم ما لا تقدمه الكلية وهو التطبيق العملي لبعض المواد مثل الأساسيات التي يقع عاتقها على الكلية بالأساس، فعلى الرغم من أن المعاهد والمراكز التدريبية لا تقدم الدور المتكامل وما ما تقوم بتقديمه للمتدرب هو عبارة عن مقدمات والسبب هو قلة ساعات الدورة، أي إن المشكلة بنظري ليست في هذه المعاهد لأن فيها أجواء أفضل من الجامعة بسبب قلّة المسجلين ما يجعل العدد نموذجياً للتدريس التطبيقي إضافة إلى امتلاكها التقنية المطلوبة.
الشخص المؤهَّل ليس بالضرورة مدرِّباً!
علا سلطان خريجة كلية الإعلام وتعمل حالياً مذيعة ومعدّة برامج في إذاعة (أمواج) تقول: إن الدراسة الأكاديمية لا تكفي وحدها بل يقتصر دورها على وضع الطالب على السلّم لكنها لا تخول الخريج الدخول في سوق العمل، وبالتالي فإن الطالب بحاجة لهذه الدورات لكي يصقل موهبته ويدعم معلوماته الأكاديمية بخبرة مناسبة، فمراكز التدريب في بلادنا بدأت الانتشار بشكل كبير جداً منذ سنتين فقط، بينما كان الإعلامي سابقاً يتبع هذه الدورات خارجها. وتابعت: اجتذبت هذه المراكز الكثير من الإعلاميين والمختصين في هذا المجال على تنوع اختصاصاته، لكن بالوقت نفسه يجب أن يدرك الطالب تماماً على يد من سيتدرب وهذا الموضوع له جوانب إيجابية وسلبية، فليس كل شخص عمل في الإعلام مؤهَّلاً ليكون مدرِّباً بغضّ النظر عن خبرته وشهرته في هذا المجال.
وأضافت سلطان: أما على الصعيد الشخصي كإعلامية فأنا دعمت شهادتي الأكاديمية بجانب الدورات، وحققت لي الفائدة الكبيرة وخصوصاً في مجالات الإلقاء وإعداد البرامج الإذاعية والتلفزيونية حتى بالنسبة للتحرير الصحفي، كل ذلك يشكل عند الخريج بنك معلومات يختار منه ما يناسبه فيما بعد، وهذا الرصيد يصقل المعلومات الأكاديمية في الجامعة، ومن خلال اتباع هذه الدورات يصل المتدرب إلى حد التمييز بين الصح والأصح والخطأ حتى إذا كان المدرِّب بالفعل غير ناجح، لكن بعض الخريجين وحتى من خارج كلية الإعلام يظنون أنهم وباتباعهم لهذه الدورات سيكونون جاهزين للعمل الإعلامي وهذا الكلام غير منطقي، فنحن دائماً بحاجة للتدريب وصقل الموهبة الموجودة لدينا، لكن بعض المراكز الإعلامية تلجأ إلى اللعب على هذا الوتر كافتتاح دورات تحت شعار «إذا دخلت هذه الدورة فسنضمن لك الدخول في العمل الإعلامي» وهذا الكلام غير صحيح لأن ذلك يحتاج إلى جهد كبير، ولا يعتمد على هذه الدورة أو تلك فهو يرتبط بحب الشخص لهذا المجال وقدرته على تحقيق النجاح. إذاً هذه الدورات ستكون عاملاً مساعداً فقط وليس أساسياً، ونستطيع تشبيه السوق الإعلامي (اليوم) بسوق كبير ويجب على الطالب أو الخريج أن يختار المناسب له حسب ميوله واهتماماته وحسب الهدف، إضافة إلى وجود دورات على الإنترنت يمكن للطالب أن يستفيد منها إذا أراد حقاً أن يتعلم وبالمجّان!.
توسيع شبكة العلاقات
خزامى الأسد خريجة كلية الإعلام حديثاً، وخاضت تجربة العمل كمدرِّبة في أحد المراكز الإعلامية تقول: الفائدة الأساسية من الدورات - حسب اعتقادي- هي توسيع شبكة العلاقات للطالب في الوسط الإعلامي وليس كل إعلامي قادراً على أن يكون مدرِّباً، ولكن يبقى التعرف إلى هؤلاء فرصة للطالب قد ينتج عنها تعاون أو فرصة عمل، أضف إلى ذلك أننا لا ننكر أن هذه الدورات تتيح للطالب أو الخريج أول تماسّ مباشر مع أدوات الإعلام «كاميرا، مايك ..إلخ»، مضيفةً: بمكن اعتبار هذه الدورات إلى حد ما نوعاً من المتاجرة بحكم معرفتنا أن عدد الخريجين هو أكبر بكثير مما يستوعبه سوق العمل، فالفرص تكاد تكون معدومةً، وعشرات الإعلاميين المدربين أصلاً وحتى أصحاب الخبرة يجدون صعوبة بإيجاد فرص عمل، فما بالك بالطالب أو الخريج أو المتدرب!؟ كما أن المتاجرة تكون بشكل واضح عندما تستقطب هذه المراكز إعلامياً مشهوراً لكنه غير مؤهَّل لأن يكون مدرِّباً فبعض المراسلين مثلاً اشتهروا بسبب تغطيتهم الحربية لكن لديهم أخطاء واضحة تظهر علانية على الشاشة، ويتم التغاضي عنها بحكم طبيعة العمل، وهذه الأخطاء تكشف أن هذا الإعلامي لا يصلح كمدرِّب!
وتتابع خزامى قائلةً: يجب على أي شخص طموح للعمل الإعلامي أن يعرف أن هذه الدورات لن تصنع منه صحفياً ولا مراسلاً ولا مذيعاً.
وفيما يخص كلية الإعلام قالت خزامى: إن الجانب العملي في الكلية ضعيف، وقد ضُعف أكثر بعد تحوّل مركز التدريب الخاص بها إلى قناة تلفزيونية، ولاسيما أنه كان مجهزاً باستديوهات وكاميرات وجزر مونتاج.
الواسطة والمحسوبيات!
أضافت خزامى الأسد: ينبغي على الطالب بعد التخرج أن يتعلم كل شيء لكي يستطيع أن يمتلك مقدرات العمل الموعود وهذا التعلّم غالباً ما يحتاج إلى جهد شخصي وجبّار، وأنا كصاحبة تجربة متواضعة كمدرّبة أقول إنني واجهت صعوبةً في تدريب الطلاب لأنني أعلم تماماً أن عشرات الخريجين على مدى سنوات كانوا محرومين من ممارسة العمل الإعلامي بسبب ندرة الفرص، كما أقول بصراحة إن الصعوبة الأساسية تكمن بأنني أعرف تماماً الطريقة التي يتم فيها توظيف الإعلاميين، فغالباً ما تكون الواسطة والمحسوبيات هي الأساس، ولذلك نرى عشرات الخريجين في البيوت، ومن لا علاقة لهم بالإعلام موجودون في الوسط! ولذلك أطرح تساؤلاتي كخريجة إعلام وفي ظل الوضع الحالي للبلاد: ألم يحنْ الوقت للتخلّص من (المحسوبيات) في الإعلام!؟ أألم يحنْ الوقت أيضاً لكي يصبح الخريج قادراً على الانضمام لرفد المؤسسات الإعلامية!؟ وأين دور اتحاد الصحفيين بأن يكون خريج الإعلام قادراً على الانتساب إليه فور تخرّجه!؟
تقنيات بـ200 مليون ليرة لم تُستثمر
التقت «جهينة» عميد كلية الإعلام الدكتور محمد العمر الذي قال: في عام 2009_2010 وأنا كنت حينها رئيس قسم الإعلام ونظراً لأهمية الجانب العملي جاءتنا توجيهات من أعلى المستويات بأن ننشئ كلية الإعلام بشكل حقيقي بمخابر واستديوهات ومنظومة الأخبار والتصوير وكل ما يتعلق بالوسائل الحديثة للإعلام، وفعلاً قمنا في تلك الفترة مع مجموعة من دكاترة الجامعة بجولة على عدة جامعات عربية من بينها لبنان ومصر والبحرين وقطر وغيرها، اطلعنا خلالها على كل التجارب في هذه الكليات، وبعد هذه الجولة افتتحنا كلية حديثة جداً بمخابر متطورة، واشترينا هذه التجهيزات المتطورة بأموال طائلة قُدرت حينها بـ 200 مليون ليرة، بحيث إن الخطة الموضوعة آنذاك كانت تقضي بأن يتخرج طالب الإعلام ويكون قادراً بعد ذلك على دخول العمل بأفضل الوسائل الإعلامية ليس في سورية فحسب بل العالمية منها، أي إن التوجيهات أكدت على أن يكون الطالب مؤهلاً فوراً بعد تخرجه للعمل على أفضل الأجهزة والتقنيات وأحدثها.
وتابع: لكن وللأسف الشديد بعد ذلك بدأت الحرب على سورية، وأصبح هناك نوع من التقصير، حيث ظلت كلية الإعلام لفترة طويلة مغلقةً لخلافات شخصية وروتينية داخلها، وبقيت هذه المراكز مغلقة أيضاً فترة زمنية تقدر بالسنتين ولم تستثمرها كلية الإعلام! وهذا ما دفعنا لطرح السؤال حول التقنيات والتجهيزات التي اشترتها الكلية بـ200 مليون ليرة على أن تستثمر ولكنها لم تستثمر؟ حيث كنا نفكر ليس في استخدامها لتدريب طلاب الإعلام بل في استثمارها لإدخال نوع من الريع والأموال للكلية.. ولكن كل ذلك لم يحصل.
استثمار (الإخبارية) السورية للمركز
وأضاف العمر: بعد ذلك وكما يعرف الجميع ضُرب مقر (الإخبارية) السورية فتوجّهت الأنظار إلى المركز المرتبط بكلية الإعلام ليوقّع لاحقاً على عقد استثمار بين وزارة التعليم العالي ووزارة الإعلام يتجدد بشكل تلقائي، مع وجود شرط ضمن العقد بأن يتم تدريب طلاب الإعلام فيها، وهذا البند لم يتم تنفيذه أبداً! ليس لأن (الإخبارية) ووزارة الإعلام لا تريد ذلك، بل إن طبيعة العمل الميدانية في الحرب لم تُمكّن العاملين في القناة من امتلاك الوقت الكافي لتدريب الطلاب، فالطالب يحتاج إلى مركز تدريبي متخصص، وبعد أن أخذت (الإخبارية) المركز المرتبط بالكلية ولم يعد للأخيرة أي مقومات تدريبية وقّعنا عدة اتفاقيات مع وزارة الإعلام وعدد من مراكز التدريب ولكن معظم هذه الاتفاقيات لم يتم تنفيذها، نظراً لأن الإذاعة والتلفزيون والصحيفة ليست مراكز تدريبية لأنه حينما تبعث الطالب للتدرّب لن يكون باستطاعة الإعلاميين ترك عملهم لتدريبه لكونك بحاجة - كما قلت سابقاً- لمدرّب متفرغ لتدريب الطالب، ولذلك جلّ ما أقوله عن هذه الدورات إنها ستكون إطلاعية وليست تدريبية .
تدريب الطلاب في المؤسسات الإعلامية
أضاف عميد كلية الإعلام: من ضمن الاتفاقيات التي وقّعناها مع وزارة الإعلام أن يكون للقطاع الخاص دور فيها إلى جانب مركز تدريب وتأهيل الطلاب، وهو مركز خاص ولن يقوم بالتدريب بشكل مجاني ، بل بحسم 50 بالمئة لكل طالب إعلام و50 بالمئة تدفعه الكلية مناصفة مع المركز، وحتى الـ50 بالمئة نقدّر تماماً أن بعض الطلاب غير قادرين على دفعها، إذ سيقول الطالب إنني أدرس في الكلية وهي ملزمة بتدريس الجانب العملي كباقي الكليات كالطب مثلاً وهذا حقه.
وتابع العمر: لقد تحدثتُ مع وزير الإعلام محمد رامز ترجمان عند استلامي منصب عميد الكلية، ووجدتُ أنه كان مدركاً أن يكون خريج الإعلام ممتلكاً مهارات عالية، ووعَدَ بأن تكون المؤسسات الإعلامية كلها مفتوحة لطلاب الإعلام وهذا الكلام جميل، ولكن أنا أتكلم هنا عن النتيجة من ذلك، حيث لا يجد الطلاب في هذه المؤسسات من يهتم بتدريبهم وأنا لا ألومهم، لأنه لا يمكننا أن نفرض على موظف ما أن يدرّب الطلاب.
استعادة المركز الإعلامي
يقول العمر: هناك فرق بين المؤسسة الإعلامية المنتِجة والمركز التدريبي، وقد تحدّث وزير الإعلام عن خطط لحل هذا الموضوع بحيث يعاد المركز الإخباري إلى ساحة الأمويين، وتنتقل (الإخبارية) السورية إلى المركز الإخباري، ويعاد مركز التدريب لكلية الإعلام، ونحن بدورنا سنتابع هذا الموضوع مع وزير الإعلام للعمل على تنفيذه، وهذا الحل الأمثل الذي يجعل كلية الإعلام مكتملة بذاتها ولا تحتاج إلى أي اتفاقيات مع المراكز الخاصة.
عرضٌ وطلب
وعن خيارات الطالب عند اتباعه للدورات قال الدكتور العمر: إن الكلية مقسّمة لتخصصات «علاقات عامة، إعلام إلكتروني» وغيرها، لكن بعض الطلاب لديهم هوس بالظهور ما يوقعهم بمطبات كبيرة فيما بعد، وكأنهم يتجاهلون ما يتعلمونه في الكلية بأن الصحافة هي أساس الإعلام، فالصحفي ستكون برامجه التلفزيونية حتماً نوعية فيما بعد، وهذا ما يعكس الأمراض التي يعانيها هؤلاء الطلاب من عقدة حب الشهرة غير المبنية على أسس صحيحة. مضيفاً: لكن للأسف أن رغبة الطلاب بالظهور هي التي تحكم أن معظم الدورات في هذه المراكز تعكس أضغاث أحلام الشباب، ونحن في الكلية عندما نضعهم في اختصاصاتهم نحاول توجيههم، إلا أن حبهم للظهور يغلب على اختياراتهم في الدورات التدريبية، والطابع الغالب للدورات الإعلامية في هذه المراكز يكون متجهاً للدورات التلفزيونية، فعلى سبيل المثال جلب أحد المراكز أحد رؤساء التحرير المهمّين جداً ويعتبر مدرسة في التحرير ولم يسجل إلا عدد قليل من الطلاب في هذه الدورة بينما أتت إحدى المذيعات من الدرجة العاشرة وكان الإقبال عليها لافتاً! ومن هنا نقول إن هذه المراكز التدريبية هي عبارة عن عرض وطلب، ولا نستطيع أن نفرض عليها دورات لأنها بالنهاية خاصّة، فالمشكلة بنظري تحمل شقين: الاعتماد على «نجوم « غير مؤهلين أصلاً للتدريب، والطالب الذي يريد أن يكون ما لا إمكانات لديه.
دخول الطالب سوق الإعلام
وعن الخطط الحالية للكلية قال العمر: أحاول (اليوم) ربط الطلاب بالمؤسسات الإعلامية، وما يهمّني حالياً هو أن يدخل الطلاب إلى المؤسسات الإعلامية من دون أن يشعروا بأنهم غرباء قدر المستطاع، كما أحاول التواصل مع صحفيين مهنيين سواء كانوا رؤساء أو مديرين عامّين لتدريس الطلاب في الكلية، وأركز هنا على أن يكون للصحفي مكانته المهنية والإدارية في المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها وذلك لتحقيق هدفين: الأول كي يستفيد الطالب منه بزيادة مهاراته، والثاني إدارياً من أجل تسهيل أمور الطالب في هذه المؤسسات، فهاجسنا ا(ليوم) هو أن يدخل الطالب سوق الإعلام وهذا ما أعمل عليه، وكما قلت إن همّي الأول كعميد لكلية الإعلام أن أربط الطلاب بالمؤسسات الإعلامية.
المراكز غير المرخّصة من وزارة الإعلام
علمت مجلة (جهينة) أن مديرية التراخيص في وزارة الإعلام عادت إلى العمل بعد حلّ المجلس الوطني للإعلام، وقامت بإغلاق عدة مراكز للتدريب الإعلامي غير مرخصة أحدها في السويداء، وهي بصدد الكشف عن كل المراكز غير المرخصة والتي سيُعمل على إغلاقها أو تخضع لشروط الترخيص، حيث قامت عدة مراكز بالترخيص وأصبحت تعمل بشروط قانونية، كما تبيّن من خلال عمل هذه المديرية أن عدد المراكز المرخصة هو ستة مراكز تعمل منها أربعة حالياً.
شروط الترخيص
الشروط الواجب توفرها لترخيص هذه المراكز: الشهادة الجامعية والخبرة الإعلامية التي يجب أن تتوفر في صاحب المركز ووجود مجلس الإدارة المؤلف من ثلاثة أشخاص سوريين حاصلين على شهادة جامعية وخبرة إعلامية وكذلك الأمور المتعلقة بخطة عمل هذا المركز في السنة الأولى، كما تضمنت الشروط التأكد من أن تكون الأجور التي يتقاضاها المركز من المتدربين معقولةً ومناسبةً للحالة الاقتصادية، وعدم منح أي شهادات إلا بعد موافقة وزارة الإعلام بشكل يضمن مصداقية هذه الشهادات.
نزار الفرا: التدريب يحتاج لسنوات طويلة في العمل الإعلامي
توجهت «جهينة» للإعلامي نزار الفرا للاستفسار عن رأيه من خلال تجربته كمدرب في أحد هذه المركز حيث قال: هذا النوع من الدورات التي تقيمها بعض معاهد التدريب للطلاب الذين يمكن أن نقسمهم لخريجي الإعلام الذين لم يتلقوا التدريب العملي، وقسم يريد أن يشبع رغبته وفضوله بالتعرف إلى وضع الإعلام، وقسم ثالث يرى في هذه الدورات أنها المنقذ له وأنها مفتاح سوق الإعلام أمامه مضيفاً: إن أول نقطة مهمة نقول فيها للمتدربين هي ألا يظنوا أن هذه الدورات قد تجعلهم إعلاميين وأنها لن تفتح أمامهم سوق العمل، وتابع: لذلك أقول بكل صراحة: «إذا كنت أيها المتدرب تأخذ الموضوع من ناحية التثقيف فلابأس ، وإذا كنت خريج إعلام وتريد أن تصقل مهاراتك فلا بأس أيضاً، ولكن إياك أن تُخدع بطريقة الإعلان عن هذه الدورات التي تجمل الصورة بأكبر من واقعها وتوهمك بأنك ستصبح إعلامياً خلال فترة بسيطة!»
وأضاف نزار: إذا إن كـــــــان هـــــــدف هــــذه الـــــــدورات إعطاء الطلاب لمحـــــــــة عن الإعلام وعن العمل الإعلامي ولا تمارس التضليل أقول أنه لا ضير ولا مشكلة في هذه المراكز ولا في هذه الدورات وإن كانت ستعتمد أسلوباً تجارياً وتخدع الطلبة وتجذبهم عبر هذا الإعلان التجاري البراق وتأتي في النهاية بمدربين خبرتهم لم تنضج بعد على الإطلاق فهي بهذه الطريقة تصبح عبئاً على المجتمع ، فالتدريب يحتاج لسنوات طويلة لن أقول في التدريب بل سنوات طويلة في العمل الإعلامي حتى يكون المدرب مقنعاً للطلاب الذين يدربهم على الأقل وأنا مع أن يُحدد شرط العمر الإعلامي للمدرب ب 15 عاما و ما فوق، فهــــــــذا الشخص يستطيــــــع فقــــــط من باب تجربته الشخصيـــــــة أن يغني معــــــــــارف ومدارك هـــــــــؤلاء الطلــــــــــاب، مشــــــيراً إلى أن بعض هذه المـــــــراكز هو مهنـــــي و أخــــــــلاقي يعتمـــــــد في تدريبـــــــــه على مـــدربين أكفــــــــــــــــاء معروفيــــــن بوضع يتناســــــب مــــــادياً مع الواقع الاقتصادي المعيشي في بلدهم.
شهادات لجميع المتدربين بغض النظر عن مستواهم
وقال الفرا، إنه من خلال ما نسمعه من الزملاء أن جميع من يرتادون هذه الدورات سيعطون شهادات مهما كان نوع المتدرب ومهما كانت مؤهلاته فقد يكون أحياناً غير متعلم ، وحول هذه النقطة تحديداً توضع بعض الإشارات، فكيف للمدرب ألا يستطيع تقييم المتدرب إن كان ضعيفاً أو غير مقبول ، ومن باب المجاملة يكتب أنه «أتم هذه الدورة بشكل جيد!»
على الإعلامي المدرب أن يأخذ بعين الاعتبار اسمه وسمعته:
وأضاف الفرا: إن الوضع المعيشي اليوم هو الذي يضغط على الناس وعلى الإعلامي أيضا ، ما يجعله يرغب بأن يحصل على دخل آخر لمعيشته غير راتبه الوظيفي ،فقد تساعد هذه المراكز أن تشكل له عونا ماديا لكن عليه أن يأخذ بعين الاعتبار اسمه وسمعته التي حصل عليها و ألا يشترك في التضليل وذلك بأن يعطي التقديرات المناسبة للطلاب ، مؤكداً على وجوب أن يكون هناك اتفاق واضح بين الإعلامي والمركز بالاعتذار عن تقديم التقدير الجيد للطالب الذي لا يستحقه وهنا يحصن الإعلامي نفسه واسمه ويمارس أخلاقه ويكون قد أعطى دوره دون تضليل هؤلاء المتدربين ولم يقم بإعطائهم وثيقة وهمية.
الخلاصة:
لقد تبين لنا وجود عدد من المراكز الإعلامية غير المرخصة من خلال المقارنة بين المعلومات التي وصلت إلينا من وزارة الإعلام والإعلانات عن دورات لمراكز على وسائل التواصل الاجتماعي، والغريب أن المدربين في بعض هذه الدورات هم من الإعلاميين المعروفين، وبنتيجتها سيكون أيضا الطالب حريصاً على التأكد أن هذه المراكز مرخصة، كما تبين لنا أن هناك خرقاً واضحاً في موضوع الشهادة التي يجب على المتدرب أن يكون حاصلاً عليها حسب شروط مديرية التراخيص في وزارة الإعلام وهي أن يكون حاصلاً على الشهادة الثانوية «على الأقل». إذاً فإن مشكلة التعاطي مع مراكز التدريب حملت عدة أوجه، أحدها متعلق بكيفية التوفيق في هذه المراكز ما بين الربح و تحقيق الفائدة للمتدربين، بالإضافة لاختيار المدربين الأكفاء لهذه الدورات، ناهيك عن أن بعض هذه المراكز غير مرخص من وزارة الإعلام، ووجه آخر مرتبط بشكل أساسي بكلية الإعلام و قد وعد عميد الكلية بالعمل على حلها، أما الوجه الأهم فهو مرتبط بالطالب الذي يظل العامل الرئيس في كل ذلك، فنضج الخيارات وعدم وقوعه تحت وطأة الإعلان البراق عن هذه الدورات واختيار ما هو مناسب فعلاً له تبقى مرهونة به، وبالتالي يبقى التحقيق بين تلك الأوجه المتعددة للمشكلة والأسباب مرهونا بوعينا لكي لا نكون ضحايا وعرضة للتحليق فوق الواقع، فبين حلم مشروع يتصف بالواقعية وحلم يقتل صاحبه تبقى التجارة بالأحلام مرتبطة بخياراتنا.

قسم الصحافة

يقول عميد كلية الإعلام: إن تخصّص الإعلام كباقي التخصصات الطبية والهندسية، بمعنى إن الجانب العملي مهم جداً، وانطلاقاً من ذلك حينما اُفتتح قسم الصحافة في جامعة دمشق أوائل الثمانينيات أكد المعنيون أنه كان يتبع لكلية الآداب التي لا تتطلب فروعها الدوام الإلزامي، لكن قسم الصحافة تحديداً كان الالتزام بالدوام فيه مهماً جداً ومن لا يحقق نسبة الدوام يُحرم من دخول الامتحان وذلك للتأكيد على أهمية الجانب العملي، هذا من حيث المبدأ لكن في الواقع وللأسف الشديد ظلّ قسم الصحافة سنوات طويلة بعيداً كل البُعد عن الجانب التطبيقي.


أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: