الثلاثاء, 24 نيسان 2018
مجلة جهينة > لقاءات > السيناريست بشار البطرس: القصّة القصيرة موجودةٌ في كيمياء دمي
السيناريست بشار البطرس: القصّة القصيرة موجودةٌ في كيمياء دمي
جهينة - أحمد علي هلال:

مسكونٌ على الدوام بقلق فاعل يجعله أبداً هو الأقرب إلى قلق الفن ذاته، وكيف إذا كان قاصاً و(سيناريست)، ويدرك أن ثمة علاقة ما بينهما على الرغم من اختلافهما الظاهري بوصفهما حقلين مختلفين لطالما كان هو المثال في أعماله الإبداعية والتلفزيونية على نضج ذلك القلق وانكشاف غير حساسية تضيفُ إلى الإبداع كما تضيف إلى الثقافة ليكون نسيج وحده: مشروعاً مفتوحاً على خيارات الموهبة العميقة وتجلياتها في تجاور الفنون.. إنه القاص المبدع بشار عطا الله البطرس الذي كان لـ(جهينة) الحوار التالي معه:
جدلية الشكل والمضمون
كيف تكوّنت لديك تجربة القصّ، الّتي بدت مغايرة في اختياراتها الأسلوبيّة والفنيّة عن السائد؟
ما أذكره أنّني في الصّفّ السابع الإعدادي حصلت على درجة عشرين من عشرين في موضوع التّعبير، ما جعل أستاذ اللّغة العربيّة يصرّ على زيارة أسرتي لمعرفة والدي، وقال له: «لقد أجبرني «بشّار» على وضع هذه العلامة، أنا الّذي لم أضعها في حياتي». والطّريف في الموضوع: أنّني كنت أكتب، ولا أعلم ماذا أكتب، حتّى حين بدأت بالقراءة فقد كنت أكره قراءة القصص القصيرة (والأدب على العموم)؛ حين قرأت عن «مسابقة دار «سعاد الصّباح للقصّة القصيرة»، كان عندي ستّ عشرة قصّة أرسلتها بعد أن قرأت ما يُنشر في هذا المجال سوريّاً وعربيّاً وعالميّاً، واكتشفت بحدسي أنّ عندي شيئاً مغايراً أو ما يشبه البصمة، فقد خدمني كلّ ذلك في ألاّ أتأثّر بمن قرأت (أقصد التّأثّر الآنيّ الانفعاليّ السّريع)، وفزت بالمركز الثّاني على مساهمات من الوطن العربيّ كلّه، ونشرتُ قصصي في الصّحف المختلفة، وكان يُقال لي: عندك شيء مختلف؛ الآن أرى أنّ هذا المختلف هو مختلف بالشّكل مادامت المضامين محدودة، وأقصد بالشّكل طريقة القول، وسأفصّل ذلك لاحقاً.
تركيب وتحليل.. ولكن
جئت من عوالم الهندسة والرّسم، هل لذلك تأثير في ميلك الواضح للسّرد والبناء وخصوصيّة العمارة القصصيّة إن جاز التّعبير؟
بعد أوّل قصّة نشرتها في صفحة «إبداعات الشّباب» في صحيفة «تشرين»، كتب أحد النقاد عنها مقالاً ينوّه فيه بأنّ الكاتب «مهندس» يضع مدماكاً فوق مدماك من دون استعجال، لم أكن أعرفه ولا يعرفني، لكنّني حين تعرّفت إليه، قلت له إنّني فعلاً مهندس، فقال: إنّ ذلك ظاهر من طريقة بناء القصّة غير المستعجلة.. فأنا مهندس مدنيّ ولستّ معماريّاً، درست الأرقام والكميّات، لكنّني درست أيضاً طريقة التّركيب والتّحليل، تركيب بناء من تربته حتّى أوزان ساكنيه وتحليل كل قوّة تؤثّر في كلّ شيء، ولا أشكّ بأنّ الدماغ البشريّ كلّ لا يتجزّأ، والكاتب مزيج من خبراته كلّها بما فيها شكل جسده، ربّما كان لطويل القامة صراعٌ ما مع المكان، ما يعبّر عنه بالكتابة، ولكلّ صاحب نقص طريقة في تعويضه، كما يشير إلى ذلك «آدلر»، ما ينعكس في كتاباته. على ذكاء السؤال: لم أفكّر في الإجابة عنه سوى الآن لأنّني آخر من يفلح في الإجابة عنه، لكنّني كتبت قصصاً من وحي مهنتي وهي «البرّاد» و»ثغاء الحملان».
لستُّ في وارد الرد!
يلاحظ ميلك إلى الكثافة والإيجاز وحيازتك لغة واقعيّة، بمعنى ثانٍ: هل مازال تأثير الواقعيّ حاضراً بقوّة في مشهدنا الإبداعيّ والثقافيّ عموماً؟
علّمني نقد القصّة القصيرة التكثيف والإيجاز، لأنّك مع القصّة في حرب ضدّ الإطالة (هذا ينطبق على الفنون كلّها)، كأنّ العمل الأدبيّ كرة لكي تمشي من دون مشاكل يجب ألّا تعيقها أيّ ندبة فيها؛ عندما أنتهي من الكتابة أعود فأحذف كلّ ما أراه غير ضروريّ. أمّا اللّغة فليست ممّا يشكّل لي هاجساً بالمرّة؛ تأتي القصّة بلغتها معها، طريقة كتابتها ومضمونها يفرضان اللّغة المتناسبة معهما؛ في قصّة «دم اللّقلق» هنالك لغة شاعريّة تناسب الأجواء السحريّة للقصّة، بينما لا تقبل قصّة مثل «ذنب الكلب» فرضاً للّغة من خارج القصّة، إذ إن لغة السّرد شيء، ولغة الشّعر شيء مختلف، ولستّ في وارد الرد على من يطلبون من القصّة لغة سرد عالية المجاز، فهذا ليس في صالحها لأنّ كلّ عمل من خارج العمل الفنيّ هو عبء عليه.. والأدب كلّه واقعيّ، لأنّ الرّاحل محمود درويش قال يوماً ما «الحلم أكثر واقعيّة». واقعيّة اللّغة من واقعيّة القصّة المتخيّلة، نحن نكتب لكي نوهم بالواقع، ويصير المتخيّل واقعاً في ذهن القرّاء.. كما أن المشهد الثّاني (عالميّاً) ينحو نحو الواقعيّة، وهذا ما لمسته من قراءاتي في القصّة والرّواية في الولايات المتّحدة (بلد الحداثة الأوّل) وفي غيرها، فلماذا نقفز فوق مشاعرنا لنتلوّن بألوان تركها صانعوها؟!
لستُّ مقلاً أو مسرفاً في الكتابة
على الرّغم ممّا يقال عن اقتصادك في الكتابة إلا أنّ مجموعاتك القصصيّة، وهي ثلاث حتى الآن، واثنتان منها فازتا بجوائز عربيّة مهمّة، كيف ترى هذه المسألة، وهل تشكّل تحدّياً لك؟
لستُ مقلّاً في الكتابة ولا مسرفاً، أكتب حين لا أستطيع إلاّ أن أكتب، ولا آخذ أي اختبار آخر في ذلك؛ لي مجموعة واحدة أخذت جائزة عربيّة كمجموعة وهي «شجرة التّوت الشامي» عن فئة أدب الشباب تحت سنّ الثّلاثين في مسابقة «سعاد الصّباح»، وعندي مشروعات لأكثر من مجموعة قصصيّة قادمة، فأنا بطيء في النشر بسبب ثقل (همّتي) في ذلك، عسى أن أستطيع نشر كلّ ما كتبته!
ثمّة مرجعيّات ثقافيّة تتغذّى بها نصوصك القصصيّة، وهي ذات جدل مستمر لجهة عوالمها وخياراتها البنائيّة، هل ترى بضرورة النصّ المثقّف (اليوم)، وهل يربح المبدع الرهان دائماً؟
الأدب للنّخبة، على الأقل للقادرين على قراءته، ونحن جمهور غير قارئ على العموم، في الردّ على سؤالك فقد قيل لي إنني أُكثر من قصص الحبّ، ما يعني أنّني أكتب لعامّة القرّاء وليس لمثقفيهم، مادام الحبّ هو أكثر تجربة يتعرّض لها كلّ إنسان، ومع ذلك فقد غرزتُ قصصي في بواطن شخصيّاتها متأثّراً بقراءاتي في علم النّفس، لكنّ ذلك لم يكن على حساب التصنّع فيها، بل لصالح بناء شخصيّتي القصصيّة، حتّى إنّني نحوتُ في بعضها نحو الخيال العلمي مثل قصّة «باتييه من جديد».
الرهان على قوة الدراما
اتهــــم البـــعض زمن القصّـــــــــة القصــــــيرة بالانحســـــــــــار في مواجهة أشكال إبداعيّة مثل الرواية وغير ذلك، فهل لا يزال الرهان عليها رابحاً؟
يبدو أن «إدغار آلان بو» و»غي دو موباسان» و»غوغول» (روّاد القصّة القصيرة الحديثة) سمعوا ذلك في زمانهم، ومع ذلك فقد تجرّأ «دوستويفسكي» على القول إنّه خرج من معطف «غوغول» هو الروائي الفذّ. وإلى الآن لم أعثر على قصّة تنافس قصّة طرد «آدم» و»حوّاء» من الجنّة من حيث قوّة الدراما التي فيها، وهي قصّة قصيرة بامتياز؛ أمّا باقي الأجناس فلم يطرد أحدُها أحدَها من جنّة الإبداع، وما زلت أقرأ قصصاً جميلة ليافعين وأطفال وكبار، ما يبشّر بأنّ هذا الفنّ الجميل (فنّ القصّة) ما زال يُشتغل عليه، وتُنشأ له الجوائز في المسابقات.
سوريون لا يكتبون عن الحرب!
هل واكب النّقد تجربتك أم انفتح عليها بمعنى على خصوصيّتك وحساسيّتك، أم إنه ظلّ في مقام الاحتفاء والحذر؟
صنّفني المرحوم الدكتور محمود موعد كأحسن قاصّ مع ستّة قاصّين ظهروا في تسعينيّات القرن العشرين؛ وكان بعض محكّمي المسابقات التي اشتركت فيها يصرّون على معرفة اسم المتسابق، الذي هو أنا، لتبيّن هذا الاسم الجديد، الّذي يكتب بهذه الطّريقة، من بينهم د.علي عقلة عرسان، د. حسن حميد. و(اليوم) اكتشفتني ناقدة سوريّة تدرّس النّقد في «جامعة أكسفورد»، وقدّمتْ من نتاجي مداخلة هنالك بعنوان «سوريّون لا يكتبون عن الحرب». وبشكل عام ليس لي الحق في نقد ما يُكتب عن قصصي في النّقد، فهذا جدال طويل، لكنّني راضٍ عمّا كُتب عن قصصي، فقد أفادني ذلك حتى حين لم يعجبني، لأنّ هنالك – للأسف - نقّاداً ليسوا بمستوى ثقافة الكاتب وموهبته، فكيف لهم بنقده وتقويمه؟! وهناك احتفاء عام بما أكتب، ونقّادنا ليسوا حذرين على الإطلاق، حتى حين يجب أن يكونوا كذلك، لأنّ السّوري العاديّ ناقد بطبعه، فكيف بناقد مسبوق الاسم بـ» د « ؟!
القصة القصيرة معشوقتي
كقاص وسيناريست شاركت وكتبت العديد من الأعمال الدراميّة اللاّفتة، ما تأثير «الدراما» في الإبداع ، وأي منهما، أي الحقلين المختلفين، كان الأقرب لك؟
الأقرب لي هو معشوقتي القصّة القصيرة، فهي الموجودة فيّ في كيمياء دمي، ولا أقارن متعتي عند كتابتها بأيّ متعة أخرى؛ أمّا ما كتبته للتلفزيون فقد كان بتأثير عاملين مهمّين: تحدّ داخليّ على ارتياد ميادين كتابة مختلفة، وتحقيق رغبة بعض الأصدقاء بأنّني قادر على ذلك من خلال ما أملك في قصصي من بناء شخصيّة دراميّة متوازنة ورشاقة الحوار وحبكات القصص التي تنفع للتلفزيون..فبناء المشهد الدرامي التلفزيوني هو كبناء القصّة القصيرة، أمّا المسلسل بحدّ ذاته فهو ذو بنية روائيّة، ولا بأس من التجريب. ولقد أقرّ أكثر من مخرج لنصوصي التلفزيونيّة برشاقة حوارها وقصر مشاهدها وحداثة موضوعاتها، حيث إنّني لا أكتب مسلسلاً تاريخيّاً واحداً، ولا حتّى مسلسلاً بيئيّاً قديماً. ولقد أفادتني نصوص التلفزيون الّتي حكّمتها بصفة قارئ مجيز لإنتاجها، والّتي أصلحتها، واستفدت من آراء الآخرين حين كتابتها، فقد أفادني ذلك بإعلاء نبرة الدراما في قصصي؛ يقول «رولان بارت»: «الدراما هي الحصن الحصين للأدب»، بما معناه: من دون دراما في الأدب سيدخل من هبّ ودبّ إليه.
الأقلام المبدعة بحاجة للحُب والانتباه
تشرف على ورشة (نادي شام للقرّاء)، وهو ملتقى للقصّة القصيرة إبداعاً وقراءةً وكتابةً، ما النتائج التي استخلصتها من تجربتك في هذا الإطار؟
أدرتُ ورشة للقصّة القصيرة في «نادي شام للقرّاء»، فكانت من أجمل الورش الّتي أدرتها، فقد حضّرت لها بطريقة أكاديميّة، وحفّزتُ المشتركين (وكان عددهم 30 مشتركاً) على الكتابة الجماعيّة.. والطّريف في الأمر أنّ بعض من حضر، وكان متردّداً في الحضور لأنّه قاصّ متمكّن، اكتشف أنّ هنالك ما يفيد في الحضور. وفعلاً اكتشفتُ في الورشة مزيداً من الأقلام المبدعة الشّابّة، والّتي تحتاج مزيداً من الحبّ والانتباه، وأطلقتُ منها على الجمهور العام أكثر من اسم، وما زلتُ أتابع تجاربهم، وأذكر منهم محمد بدويّ، فهذا القاصّ ساخر بطريقة متفرّدة، وكذلك ناصر القاضي ومنال حمّودة، وأسماء أخرى ستكون لها أهمّيتها في المستقبل. كما سأدير في القريب العاجل ورشة للقصّة القصيرة لليافعين (تحت سنّ الثّامنة عشرة)، وسيكون لي معهم تجربة مفيدة لهم ولي.
الكتابة بوصفها إيقاعاً
لك تجربة متميزة مع الإيقاع عازفاً ومتذوّقاً، هل لذلك انعكاسه على ضبط وتشكيل قصصك انطلاقاً من أنّ الإيقاع يشكل علامة أيضاً في مجموعتك القصصية الأخيرة؟
عملتُ عازف إيقاع مع أكثر من فرقة، وعملت أيضاً في النّوادي اللّيليّة بعد أن أُجزتُ من نقابة الفنّانين؛ فالإيقاع في دمي، وما زلت أظهر كعازف إيقاع هنا وهنالك كهاوٍ، وأرفض تقاضي أجر على ذلك، فقد ولّى الزمان الّذي أحتاج فيه مالاً مقابل إيقاعي! لا أعرف كيف يمكن لقصّتي أن تستفيد من حسن عزف صاحبها الإيقاع؟! قال لي أحد النّقاد: إنّ هنالك إيقاعاً مضبوطاً في الكتابة عندي، ما يعني أنّني لا أسرع هنا، وأبطئ هنالك.. مثلاً في مجموعتي الأخيرة «المنبوذ» تخيّلت نفسي طفلاً يعشق «طبلة» ابن عمّه المعلّقة على حائط الغرفة، وجنازة العمّ شغّالة، الموقف الدرامي عالي النبرة في القصّة حتّى لو لم أكن «طبالاً»، فقد كنت سأكتب القصّة نفسها، وليس عسيراً عليّ التّفريق بين نغمة الـ»دم» والـ»تك»، ما أقصده أنّ علمك بالشيء لا يجعلك تكتب عنه بشكل أفضل، مثلما أنّ جهلك فيه لا يجعلك تكتب عنه بشكل أسوأ. يقول «آنجلز»: «إن معرفتك بقانون اهتزاز الأوتار الموسيقيّة لا يجعلك عازفاً».
هل نتحدّث عن تجربة برنامج غصن (مطبخ سوري) وما القيمة الثّقافيّة لها؟
أنا مدير صالون «برنامج غصن الثّقافيّ» الذي يعنى بتثبيت الهويّة السوريّة، وقد اكتشفنا أنّ لنا تقاليد في الطبخ من أيام السّريان والآراميّين والفينيقيّين، ما يحيل إلى تراث ثقافي، لأنّ العادات والتّقاليد من مكوّنات الثّقافة، حيث أسعى إلى تقديم الهويّة السوريّة في الصالون، فبدأت فيه بأمسية قصصيّة بعنوان «قاصّات سوريّات» من جيلين، وأقدّم فيه الطّبخ السوريّ مع نبذة عن تاريخ الطّبخة.. فهل تعلم أنّ «الإسرائيليّين» يسرقون طبخنا ويدّعونه لأنفسهم في محاولة لتثبيت (هويّة يهوديّة) مستحيلة فيه وفي غيره من مكوّنات الثّقافة؟!
• مهندس مدني، قاص وسيناريست.
• صدر له في القصة:
شجرة التوت الشامي: عن دار بترا- دمشق 1996، (جائزة سعاد الصباح للقصة القصيرة للشباب عام 1996).
على البخار: طبعة أولى من إصدار وزارة الثقافة في سورية عام 2003- طبعة ثانية من إصدار مؤسسة سوريانا للإعلام 2018.
المنبوذ: عن دار كنعان للطباعة والنشر- دمشق- 2016.
• من أعماله في التلفزيون:
العشق الحرام: 2011- (قصة وسيناريو وحوار).
الخبز الحرام: 2010- (سيناريو وحوار).
ليس سراباً: 2006- (معالجة درامية).
سر الكنز: 2003- (قصة وسيناريو وحوار).
بقعة ضوء: كاتب مشارك في الجزأين (1-2) عامي 2001-2002.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: