السبت, 23 حزيران 2018
مجلة جهينة > أيام معهم > اعتدال رافع.. امرأةٌ من برج الحمل: الشامُ روحي.. وجرحي ينزفُ إبداعاً
اعتدال رافع.. امرأةٌ من برج الحمل: الشامُ روحي.. وجرحي ينزفُ إبداعاً
جهينة – أحمد علي هلال:

في مرايا سيرتها، وهي السيرة الملونة بامتياز، ثمّة ما يستدعي حضوراً من نوع خاص سوف تنهضُ عليه عوالمها الإبداعية شديدة الرهافة من جهة، ومن جهة أخرى شديدة الحساسية الواقعية لجهة محكياتها القصصية وما رسمته هواجسها ومكابداتها من قوة مثال لروحها وذاتها المبدعة، فهي لا تنفكُ أن تكون أنموذجاً للمرأة السورية في صورتها الكفاحية، رؤيةٌ تدافعُ عن المرأة القضية، لكنها لا تنغلقُ على تلك القضية، فكيف بها إذا كانت هي بذاتها قضيةٌ سنجدُ تصاديها في عوالمها الكتابية.
العزلة المضيئة
إنها الكاتبة والأديبة اعتدال رافع التي تماهت مع شامها، وظلّت في مكان ما تقاومُ ضعف الجسد في ركنها المخصّص في دار السعادة للمسنين، مستظلةً بذاكرتها الخصبة والمديدة، فهي المتصالحة مع مرضها الذي ربما سيصبحُ ذات يوم عنواناً لروايتها (صديقي السرطان).
صورة قلمية
لعلّ قراءاتها الأولى قبيل زواجها لجبران خليل جبران ولطفي المنفلوطي، شكّلت أساساً لنزوعها الأدبي/ التعبيري، فضلاً عن تشكّل غير حافزٍ للكتابة، ومنه أنها بُعيد زواجها من الفنان الكوميدي الراحل أنور البابا استطاعت أن تواصل تحصيلها العلمي لكي تكتمل دائرة معرفتها بالعالم من حولها، وهو ما يمثل في التقاطاتها القصصية جهراً بمواقفها من العادات والتقاليد، التي تظلمُ المرأة ولا تنصفها، لتذهب بعد ذلك إلى كتابة الزوايا الصحفية التي تقاربُ فيها رؤيتها من الحياة والعلاقات الاجتماعية رؤيتها المجتمعية بكل ما انطوى عليه ذلك من انكشاف رؤيتها الفكرية والجمالية تجاه قضايا مجتمعها، ولعلّ بداياتها القصصية التي كان اسمها (ثأر) وهي أولى قصص مجموعتها (بوحٌ من زمن آخر) ستنطوي على دلالة رمزية للسُبابة اليمنى الفاقدة لجاذبيتها ومرونتها مع الزمن إلى حدّ أنها لم تتجرأ يوماً على رفعها احتجاجاً أو تهديداً، لذلك انكفأت، لكنها حينما رفعتْ سُبابتها اليمنى مع الوسطى ذات مرة إيحاءً بإشارة النصر أمام سور البيت الأبيض في واشنطن احتجاجاً على السياسة الأميركية التي تكيلُ بمكيالين، ارتفعت سُبابتها إلى خدّها لتمسح دمعةً.
السُبابة المعطوبة
سنذهبُ عبر متخيل الكاتبة والقاصّة اعتدال رافع إلى دلالات السخرية التي حملتها أعمالها القصصية، وهو أسلوبٌ يناهضُ التقاليد المتوارثة التي وسَمَت مجتمعها، ومنه الموقف من كتابة المرأة، فهي ذات رؤية متقدمة، إذ لا ينطبعُ فيها موقف أحادي فردي، بل هو رؤيا لذاتٍ مبدعةٍ في نسيج مجتمعي ثابت ومتغير وأكثر انفتاحاً على المتغير بوصفه قيمةً كبرى تواترت في قصصها مثل (النذر) من كتابها (مدينة الإسكندر) بوقوفها عند مفارقات بعينها تشي بتلك الأجواء الساخرة التي ظلّت مغزى شديد الدلالة في قصصها، ومنها قصة (قيلولة التعب)، ما يعني أن القاصة وهي تشيد عماراتها القصصية بدت الأكثر انتباهاً إلى دالات هذه القصص، والأثر الذي تتركه في نفوس القراء، وهو أثرٌ قيمي ناهضٌ بالدلالة، وحافزٌ على موقف من جملة قضايا مجتمعية تؤشر إلى مستويات الوعي، وجدوى أن يكون الرهان على الوعي ثقافةً وسلوكاً.
تقاليد إبداعية سورية
على الأرجح أن صنيع القاصّة اعتدال رافع القصصي والإبداعي يحايثُ ما أسّسه الكتّاب السوريون في هذا الاتجاه وهذه المكونات الدلالية، من أمثال صدقي إسماعيل ومحمد الماغوط وغيرهما الكثير، ذلك المشبعُ بلغة المفارقة الموحية، والمستبطن بلغة إحيائية تقتربُ من لغة القاع الاجتماعي، وما يتداوله من شفاهيات لوّنت بها القاصة محكياتها القصصية لكي تصبح أقرب إلى أفكار بيئتها ومجتمعها، وما يعني تالياً الذهاب إلى أطياف الواقعية وتجلياتها الإبداعية.. فهي الأديبة المسكونة بهموم وقضايا لعلّ طابعها الإنساني سيبدو جلياً وواضحاً، وبوصفه قيمةً إبداعيةً أيضاً حكمتها صياغات واعيةٌ ومكتملة الدهشة، وهي من كتبت القصة بأنواعها المختلفة، الطويلة والأقصوصة والقصة القصيرة جداً وبتقنيات محسوبة عبر تنويع سردي يكتملُ بالمستويات الفنية الجاذبة للقارئ والباعثة لدهشته، وبذلك أضافت القاصة والأديبة اعتدال رافع إلى مسيرة فن القصة غيرَ بُعدٍ وعبر شبكة حمولات دلالية باذخة، سواء في عناوينها المختارة بعناية أو في مستوى مقولاتها التي تقاربُ محكيات مجتمعية تعبرُ فيها خطوط أفق الحكايات، حتى تتعدى البوح إلى التعبير، والرؤية إلى الرؤيا، وأبطالها/ نماذجها الواقعيون إلى حدٍ ما لم تجعلهم صوراً ناطقةً عن أفكارها بقدر ما خلقتْ لهم تلك المناخات الصراعية النفسية والحياتية على نحو لافتٍ.
ولعلنا لا نعثرُ هنا على مفهوم بعينه لما سمي «الكتابة النسوية»، بل نذهبُ إلى ترجمة المناخات الحسية والاجتماعية التي برعت بها ترجمةً حدسيةً وحسيةً بآن معاً.. فمثلاً سوف يعثرُ القارئ في مدونتها على الكثير من التعابير الشائقة، مثل (المشنوقة، خلنج من إبرته، تشحيل، مزقوق بالهموم) وغير ذلك من تعابير تؤدي فيها اللغة غيرَ وظيفةٍ انتباهيةٍ لمستوياتها من جهة، وقوة تعبيرها من جهة أخرى، فهي المعجونة بالمكابدات والهواجس واحتدام المصائر لا المواقف فحسب، ما يذكّر بأسلوبية الكاتبة ألفت الإدلبي، أي في نماذجها المختارة، فضلاً عن لغتها التصويرية والمنسابة والمتدفقة كنهرٍ، لكنها امتازت بأسلوبيتها وخصوصيتها، لاسيما في افتتاحيات قصصها الدّالة من مثل (امتهنت الصراخ منذ اللحظة الأولى التي لفظني فيها رحم أمي/ مهنة الصراخ مزعجة وخطرة يا سعدى/ لا ذنب لي أمي توحّمت على الجوع عندما كنت في بطنها).
أحلام البسطاء
ما رأته الكاتبة ودوّنته في قصصها كان صوراً فاضَ بها متخيلها، صوراً لأحلام الناس، وهي الموسومةُ بالعزلة والابتعاد، والمعتكفةُ في ظلال حروفها وكلماتها وسطورها، ولغتها تفتحُ فضاءات الروح على أحلامٍ مسروقةٍ من طفولات كثيفة، لعلّها تواسي ذلك القلق الإنساني لتصوغه إبداعاً، وتنشئ معه حوارات بلا ضفاف، ولعلّ قصتها (العروس) ظلت مثالاً على تلك الأحلام والتوغّل بمآسي الواقع الذي يثري معجمها بما تلتقطه وبما تصطفيه من تجاربها ومشاهداتها ومعايشاتها للواقع ذاته، لكن ذلك لم يكن وحده ما يسمُ عوالمها القصصية، بل ثمّة قيمةٌ مضافةٌ هنا، هي صورة الأم الأنثى، والأنثى التي تعاني ضروب الاضطهاد الاجتماعي المختلفة، تذهبُ القاصّة اعتدال رافع لصور الأنثى الأم والأنثى العاشقة، فهي المنحازة لها بالمعنى الإنساني لكي تستعيد (الأنثى) شرطها الإنساني، وتكون إنساناً مكتملاً، إذ ثمّة بُعدٌ تنويري هنا، أي في روافع التغيير المجتمعي من خلال رسالة الإبداع، وهو ما ميّز أعمالها.
التنفّس إبداعاً
هي.. كلمتها لتنهضَ تلك العلاقة الفارقة بين الكاتب وإبداعه، لاسيما إذا تماهى بالإبداع كأسلوب حياةٍ ونشيد خلاص وقوة مثال الروح الإنسانية حينما تعبرُ غير منعطفٍ، حتى تضيء عتمة هنا فتطردُ أشباحها، وتقطفُ من عناقيد النور ما يثري حروف اللغة، تلك الساهرة في ضوء روحها تستلهم منها قوة الأمل، فتقفُ على خشبة الخلاص ممتلئة بوعيها الجمعي لتخطّ سطراً كثيفاً اسمه القصة القصيرة، متعددة الأشكال.
امرأةٌ من برج الحمل
تقول الكاتبة اعتدال رافع: (القلم يكتبني، الكلمة تكتبني)، وبذلك هي ترسمُ وجوه التماهي مع لغتها ومع أناها المبدعة في مواجهة قهرين ممكنين: قهر الزمن وقهر الجسد، كي تفيض باليومي على لسان شخوصها، متنكّبةً شعريةً رهيفةً ظلّت خيطاً رفيعاً يؤلف كل تلك المحكيات، ويجعلها منتسبةً بجدارة بوحها إلى (الشجر والماء والعصفور والبحر والصواري)، ومؤلفة سيمفونية عشقها للإنسان والأشياء الحميمة، ذاهبةً في إثر التفاصيل الصغيرة والكبيرة لتطرد شيطانها وقوام لغتها روحٌ مضرجةٌ بالجمال والبساطة حدّ الرهافة، فهي كما أحد عناوينها امرأة من برج الحمل في إثر جمال لا يُرى، وفي إثر هشاشة الكائن/ الإنسان.
بوحيات الأثر
تبدو رحلة القاصّة والأديبة اعتدال رافع طلقة نور في فضاءات زمنية ومكانية وإنسانية، تحاول اختراق تلك الأزمنة لكي تثبت جدارتها بالحياة، وجدارة حبرها المضيء بأن يكون أثراً سيتعدى حدود قصصها وقصائدها ومقالاتها، وصولاً إلى جوهر مكنون هو معاندة الموت بالحياة، بل جدارة الإبداع في الأزمنة المختلفة وهي التي نزفها حبرها، فهي شأن كلماتها المسافرة –عنوان ديوانها- ظلّت أبداً سادنةً للجمال العابر للجمال، كيف لا وهي كما وصفت ذاتها بأنها (جرح ينزفُ إبداعاً).. تكتبُ الألم وتُكتبُ به متطيرةً إلى نجمتها التي لا تنطفئ كلما أمعنت النظر فيها ذات ليلةٍ مقمرةٍ وصافيةٍ حدّ صفاء مروياتها السورية، وحكايات ناسها البسطاء، لكنهم المقاومون للقبح كما هي تماماً من جعلت من كتابتها مقاومةً للقبح واستدعاء للجَمال، وتأسيساً لمعنى الحياة في وعي قرائها، فلا قتامةٌ للروح حينما ينقذها الجَمال، تلك حداثة فكر إبداعي حملته قصصها، بل أنواعها الأدبية التي احترفتها، لا كي تجملَ بؤساً طليقاً، بل تعود إلى أزمنة البراءة الأولى، أزمنة الدهشة التي تعني كثافة روحها العارفة بما يستحق الحياة رغم ما تحفلُ به الحياةُ من مفارقات وتضادات إلا أن الكاتبة وعلى اتساع رؤيتها ظلّت سادنة روح البيئة بما تحتمله من صدق فني بالضرورة.. وفي مكابداتها لآلامها المزمنة ظلّت أيضاً في المشهد الثقافي والإبداعي علامةً لأكثر من ولادة (لأولد من جديد فراشة ربيعية تبحث عن رحيق الياسمين)، وظلّت أبداً (ترتدي غلالة القمر وسنابل البيادر وتاج النجوم وغناء العصافير وبحّات الريح وحنان المطر) و(لشامها ظلّ حبها الأول).
سطور وعناوين:

• قاصّة وكاتبة مقالة وصحفية ساخرة.
• ولدت عام 1937 في مدينة عاليه بلبنان.
• تزوجت من الفنان الكوميدي أنور البابا.
• حصلت على الإجازة في التاريخ من جامعة دمشق عام 1972.
• عملت في حقل التعليم وفي مديرية الآثار والمتاحف وفي جريدة البعث.
• كتبت زاوية (حديث الصباح) من عام 1982 إلى عام 1990.
• كتبت زاوية (آفاق ثقافية) في جريدة تشرين وصحف عربية أخرى.
• انتسبت إلى اتحاد الكتّاب العرب – جمعية القصة والرواية.
• من آثارها الأدبية مدينة الإسكندر (قصص)- وزارة الثقافة 1980.
• امرأةٌ من برج الحمل (قصص)- وزارة الثقافة- دمشق 1986.
• بيروت كل المدن وشهرزاد كل النساء (مقالات) 1989.
• بوحٌ من زمن آخر (قصص)- دمشق 2006.
• كلمات مسافرة (ديوان شعر) 2010.
• قالت عنها الناقدة الدكتورة ماجدة حمود: (اختارت اعتدال رافع العزلة منذ ثلاثين عاماً، وابتعدت عن بريق الشهرة، ولاذت بحرف إبداعها، وإن الحداثة القصصية لدى رافع تقوم على التجديد في اللغة والرؤى والتعامل مع الشخصيات، فلم تهتم كغيرها بالتجديد الشكلي على حساب المضمون، مع براعة في التكثيف والاختزال واستخدام لغة السخرية).
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: