السبت, 23 حزيران 2018
مجلة جهينة > تشكيل > المكتبة.. للزينة أمْ من أجل المعرفة؟
المكتبة.. للزينة أمْ من أجل المعرفة؟
د. محمود شاهين

بدأتْ تنتشرُ، بشكل لافت، ظاهرة اعتماد المكتبات كخلفيّة للمحللين والباحثين السياسيين الذين باتوا يُطلّون يومياً وبكثافة من شاشات التلفزة العربيّة نتيجة الأحداث المتلاحقة التي نعيشها هذه الفترة، وجميع هذه المكتبات عامرةٌ بشتى صنوف وأجناس الكتب والمنشورات الموضوعة بلغات عدة، وكأني بهذه الشخصيات تريدُ التدليل والإشارة من خلال هذه الخلفيات إلى الثقافة العميقة والواسعة التي تتمتع بها، والتي جنَتْها من هذه الكتب والمنشورات المنضّدة فوق رفوف مكتباتها الشخصيّة، وفي هذا إبرازٌ لمقدراتها وتعزيزٌ لصوابيّة تحليلاتها وكسبٌ لثقة مشاهديها.
المكتبة جزءٌ من البيت
الحقيقة، لقد أصبحت المكتبات المنزليّة أحد أبرز مكوّنات البيوت المعاصرة، إذ بات من النادر أن يخلو منها منزل أو مكتب أو مؤسسة.. بعضها تخصصيٌّ يرتبط بوظيفة المكان الموجودة فيه، وبعضها الآخر عامٌ يجمعُ بين أجناس الثقافة الإنسانيّة المختلفة والموزعة على علوم الفن والفلسفة والاجتماع والقانون والتشريع والكيمياء والفيزياء وغير ذلك. من جانب آخر أصبح الأثرياء والفقراء يسعون (اليوم) إلى امتلاك هذه المكتبات المنزليّة، سواء منهم العالِم والمثقف الذي يحتاج ويستعمل معارفها، أو غير المهتم (وجلّ هؤلاء من محدثي النعمة) الذي أدخلها إلى بيته مدفوعاً بهاجس تقليد الآخرين، معتبراً إياها عنصراً من عناصر الزينة (الديكور) والوجاهة. وعلى هذا الأساس هي بالنسبة للفئة الأولى حاويةُ معارف وعلوم وفنون لازمةٌ وضروريّةٌ، ومجرد زينة ووجاهة بالنسبة للفئة الثانية.
وتحتفظُ المكتبات، مثلها مثل العديد من الأشياء التي تحتاجها حياة الإنسان اليوميّة، بتاريخ طويل يعود إلى عصور موغلة في القِدم، ويرتبط بشكل مباشر ووثيق بتاريخ الكتب التي هي عنصرها الأساس ومبرر وجودها، غير أن عناصر كثيرة: كالتماثيل والتحف والمشغولات اليدويّة وقطع الخزف والميداليات والمزهريات.. وغيرها، بدأت توجد فوق رفوفها. ونتيجةً للتطور الكبير الذي شهدته صناعة الكتب والمكتبات، أصبح لها عِلمٌ قائمٌ بذاته تُدرّسه معاهد وأقسام اختصاصيّة في الجامعات، لاسيّما بعد أن توسعت عملية إنتاج الكتب وإخراجها وأرشفتها وتبويبها من أجل تسهيل عملية الوصول إليها وإلى مضامينها. وفي حين كانت الكتب مقتصرةً على الورق أصبحت (اليوم) إلكترونيّة بالإمكان اختزالها وحملها في قرص مدمج أو جهاز كمبيوتر صغير مهما كان عددها أو المعلومات الهائلة التي تحويها. وبناءً على ذلك أصبح لدينا (اليوم) كتاب إلكتروني ومكتبة إلكترونيّة لا تأخذ سوى ركن صغير في المنزل أو المكتب.
تاريخ طويل
يعود تاريخ الكتب والمكتبات إلى بواكير الحضارة الإنسانيّة التي بدأ معها، وتوسّع مع توسّعها وانتشارها وتطورها، لكن من الصعوبة تحديد الزمان أو المكان الذي بدأ فيه هذا التاريخ مسيرته الأولى، رغم أن غالبية الدراسات والحفريات تشير إلى أن الموطن الأول لظهور المكتبات هو ما بين النهرين ووادي النيل، مع الاستدراك والإشارة إلى أن المكتبات القديمة لم تكنْ على شاكلة المكتبات المعاصرة في محتوياتها وتخصصها وتنظيمها والخدمات التي تؤديها، فقد أطلق السومريون على المكتبات اسم «بيت اللوحات الكبير» لأنها كانت تضمّ الألواح الطينيّة، أما المصريون القدماء فقد أطلقوا عليها قاعة كتابات مصر ومكان إنعاش الروح، واستعمل الرومان كلمة ((Libri وتعني الكتاب نفسه ومنها جاءت كلمة (Librery) التي تعني مكتبة للبحث والمطالعة، وعبارة (مكتبة) حديثة في العالم العربي، إذ لم تُستخدم إلا في القرن التاسع عشر، وقبلها كانت عبارة (دار) أو (خزانة) هي الدالة على المكتبة التي قامت على ثلاثة إنجازات حضارية هي: اختراع الحروف الهجائيّة والكتابة، واختراع أدوات الكتابة، لاسيّما الورق الذي اخترعه الصينيون، ثم اختراع الطباعة على يد الألماني (غوتنبرغ) في القرن الخامس عشر.
واستعمل إنسان ما بين النهرين الألواح الطينيّة وأوراق البُردي للكتابة عليها، وخرجت أولى الأبجديات في التاريخ من أوغاريت السورية (رأس شمرا)، وخرج من مصر القديمة أقدم نصٍ في التاريخ يشير إلى منزلة الكتاب لدى الفراعنة، وقد وضع النصَ أحد الحكماء، وفيه يعظُ ابنه المتوجّه إلى مدرسته للمرة الأولى قائلاً له: « يا بني، ضعْ قلبك وراء كتبك وأحببْها كما تحب أمك، فليس هناك شيء تعلو منزلته على الكتاب. اعلم يا بني أنه ما من طبقة من الناس إلا فوقها طبقةٌ أخرى تحكمها إلا الحكيم، فهو الوحيد الذي يحكمُ نفسه بنفسه». والاهتمام نفسه أولته الحضارة اليونانيّة والرومانيّة للكتابة والكتاب، وقيل للفيلسوف اليوناني الشهير (سقراط) ألا تخاف على عينيك من كثرة القراءة و«البحلقة» في الكتب؟ فأجاب بأنه «إذا سلُمتْ البصيرة لا يحفلُ بسقام البصر»!
وهكذا تطورت الكتابةُ والكتابُ لاسيّما بعد اختراع الورق والمطابع، وصار الكتابُ يحتاج إلى رفوف ليستقر عليها، وبتكاثر هذه الرفوف وُلدت المكتبة المنزليّة ثم المكتبة التابعة لمؤسسة ثم المكتبة المركزيّة للجامعة أو مركز الأبحاث أو المدينة، وبعدها وُلدت المكتبة الوطنيّة، وهي أكبر وأهم مكتبة تضمّها الدولة بحيث يمكن القول: إن الباحث، الذي لا يجد مبتغاه من الكتب والمعارف في مكتبة المدينة التي يقطنُ فيها، يمكنه الفوز بمبتغاه في المكتبة الوطنيّة الضخمة والشاملة لكل أنواع المعارف وأحدثها.
أنواع المكتبات
المكتبة بمعناها البسيط، هي ركنٌ في البيت أو غرفة تم تنظيمها وتزويدها بمجموعة من الرفوف التي بدأت بسيطةً متوضّعةً فوق بعضها بعضاً لكي تحملَ أعداد الكتب والوثائق التي يملكها صاحب البيت، ثم جاء الفنان المصمم ليُعمل فيها خياله وابتكاراته محولاً هذه الرفوف البسيطة إلى تشكيلات جميلة الوقع في العين منسجمة مع ما حولها من عناصر أخرى مكملّة للمكتبات كالطاولات والكراسي ومؤدّية بسلاسة ويسر لوظيفتها الأساسيّة في حمل الكتب وعرضها. وأُدخلت عليها في وقتنا هذا مهام جديدة كالبارات المنزليّة والخزائن المغلقة، وباتت تضمّ إلى جانب الكتاب، الأثر الفني التشكيلي أو التطبيقي، وذلك بهدف تكريس جماليتها وتحريك مساحتها.
في البداية، اقتصرت المكتبةُ على المنزل ثم على مكان العمل مكتباً كان أم حانوتاً، وحتى القرن الخامس عشر ظلّت المكتبة وقفاً على عدد محدود من الناس، لكنها (اليوم) توسّعت وانتشرت وتطورت إلى درجة كبيرة، وبالتالي أصبحت متاحةً للجميع، كما صار معظمها تخصصياً وفقاً للمكان الذي توجد فيه وفئة الناس الذين يستفيدون منها، وفي الوقت نفسه أخذتْ مسميات جديدة عُممت على الدول كافة، فالمكتبة الوطنية كما تعرّفها منظمة «يونيسكو» هي التي تكون مسؤولةً عن اقتناء وحفظ نسخ من كافة المطبوعات التي نُشرت في ذلك البلد، وتقوم بوظيفة الإيداع القانوني.. وهكذا تكون المكتبة الوطنيّة مكتبة الدولة المركزيّة التي تعكس تراث تطوره الأدبي والعلمي والثقافي، وتحتلُ مركز الصدارة بين المكتبات، الأمر الذي يعطيها دوراً قيادياً في الدولة. أما المكتبة العامة فهي لخدمة جميع أفراد المجتمع من مختلف الأعمار والفئات والمستويات التعليميّة والثقافيّة، وتخدم المكتبة الأكاديميّة البحثيّة المتوفرة في الجامعات طلاب الكليات التابعة لها وغالباً ما تقتصرُ على الاختصاصات التي تدرسها هذه الكليات. وبعدها تأتي المكتبة المدرسيّة في مراحل التعليم الأساسي فالإعدادي والثانوي، أي ما قبل الجامعي، ثم المكتبة العامة التابعة لمؤسسة أو معمل.
مكتبات جديدة
مع تطور الإنسان التقاني اُخترعتْ وسائل وحاويات جديدة للمعرفة كالصورة والفيلم والقرص المدمج والإنترنت والهاتف المحمول و(الآي باد).. وغيره، الأمر الذي أحدثَ ثورةً هائلةً في المعلومات وصفها البعضُ بالانفجار المعرفي لاتساعها وشمولها وسهولة تناولها، وأربكَ حاوية المعرفة التقليديّة (الكتاب) وجعله عاجزاً أمام تدفق المعلومات، ما دفع المختصين إلى إيجاد وسائل حديثة تمكّنهم من السيطرة على ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاستفادة منها، لاسيّما بعد أن أصبحت تكنولوجيا المعلومات الركن الأساس لكل تقدّم وتطور.. والمقصود هنا بتكنولوجيا المعلومات التكنولوجيا الإلكترونيّة المستخدَمة لجمعِ المعلومات واختزالها ومعالجتها وإيصالها لمن يحتاج إليها، وهي عادةً كل ما يستخدمه الإنسان في معالجة المعلومات من أدوات وأجهزة ومعلومات، ولها مرجعيات قديمة قِدم اهتمام الإنسان بتسجيل أفكاره وخبراته وتاريخه، وتنهضُ تقنيات المعلومات الحديثة على عناصر أساسيّة هي: الحاسبات الإلكترونيّة المتمتعة بقدرة هائلة على خزن المعلومات وإمكانية الحصول عليها بسرعة قياسيّة، يضاف إلى ذلك قدرتها على تخطي الحواجز الجغرافيّة والبرمجيات بكل أنواعها، وتوفير الحيز اللازم لخزن الوثائق، فضلاً عن سهولة التداول والاستنساخ والاسترجاع من خلال الحاسوب الإلكتروني (الكمبيوتر) وهو الركيزة الأساس في تكنولوجيا المعلومات، وبنك المعلومات المؤلَف من قواعد بيانات بإمكان المختص والباحث أن يستخرج بوساطتها كشافات مطبوعةً للإنتاج الفكري في مختلف العلوم.. وهناك (الفيديوتكس) وهي تكنولوجيا جديدة دخلت المكتبات، و(الفيديوتكس) نظامٌ متفاعلٌ يربطُ بنوك معلومات ببنوك كبيرة نسبياً تعمل بالحاسوب مع أجهزة التلفاز المنزلية من خلال شبكة اتصالات هاتفيّة، يضاف إليه (التلكس) وهو نظام اتصال معلومات يعمل بوساطة الاتصالات السلكيّة واللاسلكيّة باستخدام خطوط الهاتف العاديّة أو الكابلات المحوريّة، وهناك (الفاكس) وهو إعادة تكوين صورة من مكان إلى مسافة بعيدة. وأخيراً (البريد الإلكتروني) الذي انتشر مؤخراً بسرعة كبيرة في أرجاء المعمورة كافة.. وقد حوّلت هذه الوسائل التكنولوجيّة مجتمعةً هذه المعمورة المترامية الأطراف والهائلة المساحات إلى قرية كونيّة صغيرة.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: