الثلاثاء, 16 تشرين الأول 2018
مجلة جهينة > وجوه الناس > قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر
قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر
جهينة- وائل حفيان:

المكتبة المدرسية، تلك العبارة التي لم تبصر النور في مدارسنا، وبقيت ملاذاً لمدرّسين مرضى أو فاشلين في عملهم أو مدرسات يتهربن من أعباء المهنة ومسؤولياتها إلى شرب الشاي والتسلية في قاعة تُسمّى المكتبة، لكنها لا تمّت إلى المكتبة وظيفة وشكلاً ومعنى بأي صلة.. لا تستغرب عزيزي القارئ أن تجهل نسبةٌ كبيرةٌ من الطلاب وجود مكتبة في مدارسهم، وإن عرفوا بها فهُم لم يغامروا بدخولها يوماً، ولم يتعرضوا لردود فعل متجاهلة ومؤنّبة حين يتجرأ أحدهم على طلب كتابٍ أو محاولة اكتشاف ما تحويه الرفوف التي علاها الغبار! هل هو تجاهل مقصود من القائمين على العملية التربوية لأهمية الكتاب غير المدرسي ودوره في تفتّح أذهان الكثير من الطلاب وإنعاش وعيهم وتوجيهه نحو أسئلة تقلق راحة الأدمغة المتكلّسة؟ ولماذا لا يتمّ تعيين خريجي المكتبات المؤهلين بشكل أكاديمي؟! وهل الحال التي تعيشها المكتبات المدرسية من تجاهل ونسيان وإهمال وتهميش هي مرآة مجتمعية لا تتعامل مع الكتاب إلا كـ«ديكور» وشكل؟ وهل سقط تصميم المكتبة سهواً من مخططات بناء المدارس؟!.
«جهينة» التي فتحت ملف المكتبات المدرسية قبل سنوات بهدف لَفَت نظر القائمين على العملية التربوية والتنبيه إلى أهمية القراءة والمطالعة والبحث ودور الكتاب في إغناء الذائقة الإبداعية والجمالية لطلبتنا بمستوياتهم كافة، تطرح الأسئلة آنفة الذكر، وتعيد هذا الملف إلى الواجهة ولاسيما أن أهداف الحرب الظالمة (اليوم) على سورية من بينها تسطيح وعي شبابنا وإشغالهم بقضايا تبعدهم عن الانتماء الوطني والقومي، حيث أجرت لقاءات مع عدد من الطلاب والمدرّسين والأكاديميين والمختصين، إضافة إلى المسؤولين عن عمل المكتبات المدرسية.
مكتبات خاوية وغياب دور الأسرة
الطالب محمد من المرحلة الثانوية قال: أنا أحب القراءة والمطالعة لأنها تزيد من مداركي وتعطيني مساحة أكبر من التفكير وألفاظاً جديدة وتحسّن اللغة لدي، وبما أنني ما زلت طالباً فإن هذه فرصة للقراءة والاطلاع، فبعد مرحلة الدراسة ربما نبتعد عن القراءة بسبب انشغالنا بالعمل، أو أن قراءتنا سوف تنحصر في مجال تخصّصنا، أما الآن فالقراءة متاحة في كل شيء، ولكننا محرومون من ذلك بحجة أن مدرستنا توجد فيها مكتبة ولكنها فارغة من الكتب، وأمينها لا يسعى لتطوير وبناء مكتبة تليق بالمدرسة. بينما تحدّث زميله مجد قائلاً: هناك صعوبات كثيرة تحول دون زيارة المكتبة المدرسية بسبب كثرة المواد في الصف الأول الثانوي وكثافة المعلومات ولا يوجد لدينا وقت كافٍ للقراءة، أضف إلى ذلك أن مكتبتنا لا يوجد فيها مكان للقراءة وإنما للاستعارة فقط إن توفرت الكتب المطلوبة.
وعن سبب عزوفه عن المكتبة قال علي- طالب بالمرحلة الثانوية: أحب زيارة المكتبة كثيراً للقراءة والاطلاع ولاسيما القصص والروايات، ولكن لا يوجد وقت كافٍ للقراءة، حيث إن فترة الفرصة لا تكفي للأكل وزيارة المكتبة، وإن ذهبتُ إليها في بعض الأحيان فأجدها فارغةً من الكتب التي أهتم بها مثل القصص وعلوم الرياضيات والكتب العلمية.
«ربما يكون للأسرة دورٌ في جذب الابن للقراءة وذلك من خلال توفير الكتب».. هذا ما قاله الطالب أحمد راسم من الصف التاسع، مضيفاً: أما من لم يحصل على ذلك فلن يميل للقراءة، إضافة إلى أن اهتمامي ينصبّ على الدراسة من أجل تحقيق طموح والدي «رحمه الله» بأن أكون ضابطاً، كما أن القراءة تأخذ جزءاً من وقت الدراسة، ذلك أن من يقرأ قصة سوف يضطر لاستعارتها لإكمالها وعدم التفكير بأمور أخرى.
وقال يزن- طالب في الصف الخامس- عن أسباب عدم زيارته للمكتبة: إن أصدقائي لا يذهبون إلى المكتبة، وبالتالي أنا لا أذهب إليها أيضاً لأنني أحب اللعب معهم، مضيفاً: أما إذا كانت فيها مسابقات وهدايا فسوف نذهب جميعاً.
محور أساسي وداعم للمنهاج الدراسي
المعلمة سميرة قالت: تعدّ المكتبة المدرسية مظهراً مهمّاً في حياة التلاميذ وليس هناك من يشكّك بأهميتها أو يقلّل من قيمتها التربوية، فهي محور أساسي وداعم للمنهاج الدراسي ومركز للمواد التعليمية التي يعتمد عليها في تحقيق أهداف العملية التربوية، ولكن نتيجة للكمّ الهائل من المعلومات في مجال المعرفة يرى التربويون ضرورة الانتقال بالمناهج الدراسية من حدود الكتاب المدرسي المقرر إلى آفاق مصادر المعلومات المختلفة، ومن هنا يجب التأكيد على ضرورة وجود الركن الداعم لهذه الفكرة ألا وهو المكتبة المدرسية.
ظاهرة مؤسفة!
في هذا الصدد يقول الأستاذ أحمد: من المؤسف أن نجد ظاهرة في المؤسسات التربوية بمختلف مراحلها تتمثل في إهمال المكتبة المدرسية خلال العقود الأخيرة، مضيفاً: لقد تربينا جميعاً على وجود هذه المكتبة خلال مراحلنا الدراسية، ولهذا أدعو وزارة التربية إلى إعادة الاهتمام بالمكتبة المدرسية وتفعيل دورها لتشجيع الطلاب على المطالعة وتوسيع مداركهم الثقافية، كما أدعو الجهات المختصة كافة لإنعاش المكتبات المحلية التي أُهملت وأضحت مجرد مسميات، وقسم منها اختفى تماماً في وقت نحن بحاجة كبيرة لنشر الوعي الثقافي خدمةً للمصلحة الوطنية.
حجر أساس الوعي
من جهته الدكتور محمد تركو نائب عميد كلية التربية في جامعة دمشق قال: المدرسة ليست مؤسسة تربوية وحسب، بل هي مؤسسة ثقافية لأنها تضع حجر أساس الوعي لدى التلاميذ وبناء مهارات التعلّم الذاتي، وتمهّد لهم شقَّ طريقهم بأنفسهم ونهل العِلم من المصادر الأخرى غير المقررات الدراسية، فالقراءة تساعد على تنمية القدرات واكتشاف المواهب وتشجيعها ورعاية القدرات المبكّرة وبنائها بطريقة صحيحة، كما ينبغي أن تكون المدرسة هي النافذة التي يُطلّ منها التلميذ على عوالم الفكر والثقافة والأدب.
حلول ولكن..!
أضاف تركو: لا شك بأن المكتبات المدرسية قادرة على تحقيق الأهداف العلمية وترجمتها إلى واقع عملي شرط أن تتوفر القاعة اللازمة والمهيأة كي تكون مكتبة، وأن يكون المكلّفون بالمكتبات على قدرٍ كافٍ من تحمّل المسؤولية ووعي تام بهذه الأهداف وإيمان كامل بوظيفة المكتبة داخل المجتمع، ولن يتسنى لهم ذلك إلا من خلال تزويد المكتبات المدرسية بالإمكانات اللازمة التي تحقق لها القيام بخدماتها على الوجه الأكمل، ومنها: احتواء المكتبة على مختلف مصادر المعلومات من كتب جديدة بعناوين مختلفة ومواد سمعية وبصرية، والسماح بتهيئة البرنامج النموذجي لتدريب التلاميذ على المهارات المكتبية، وتخصيص واجبات في صُلب المقرر يعطيها المدرسون للطلاب لإثراء المناهج وتوسيع الأفق الثقافي فيها، وضرورة الاعتناء بالمظهر الجمَالي للمكتبة لجذب التلاميذ إليها مع التركيز على تنظيم مصادر المعلومات، وأن يكون أمين المكتبة واعياً ومدركاً لأهمية دور المكتبة في حياة الطالب والمدرّس على حدٍّ سواء.
مكتبات مركزية
من جهته موفق مخول مدير مكتبة دمشق التربوية أشار إلى أن وزارة التربية أنشأت مكتبة دمشق التربوية، وهي تضمّ آلاف العناوين من الكتب القديمة والجديدة وتحوي قاعات مطالعة نموذجية، مبيناً أن الوزارة بصدد إنشاء مكتبات مماثلة في المحافظات السورية، كما أن هناك العديد من المكتبات الموزّعة على جميع مناطق محافظة دمشق وريفها لتشجيع الطالب على القراءة وتوفير جو مطالعة لهم وخاصةً في هذه الظروف، ولاسيما أن المناهج الجديدة بحاجة لأن تكون هناك مكتبات لتدعيمها لأنها تعتمد على البحث والمطالعة، مشيراً إلى أن هذا المشروع ستبدأ به وزارة التربية في القريب العاجل لأنه من اهتماماتها.
وأوضح مخول أن المكتبات المدرسية الحالية فقيرةٌ بكتبها وبُنيتها التحتية، والتي يجب أن تكون مختلفة عن باقي غرف المدرسة من ناحية الشكل والتجهيزات والمضمون، لافتاً إلى أن الطالب يجب أن تتوفر له مكتبات وقاعات مطالعة مجهّزة بشكل كامل تتيح له تعزيز ثقافته أثناء العطلة الصيفية.
بحوث للتطوير
بدوره الدكتور هيثم محمود الأستاذ في قسم المكتبات بجامعة دمشق قال: إن قسم المكتبات حالياً يقوم بتجهيز رسالة دكتوراه عن واقع المكتبات المدرسية وآفاق تطويرها، لأنها غير مطابقة لمواصفات المكتبات العالمية وغير مجهّزة بالمستلزمات والبُنى التحتية اللازمة، إذ يجب علينا تجهيز جميع المدارس بمكتبات مطابقة للمعايير العالمية بشكل تتسع فيه القاعة لطلاب صف كامل للمطالعة والقراءة، مبيناً أن التعليم الصفّي هو تعليم جماعي، بينما التعليم في المكتبة هو تعليم حرفي بحيث يمكن فرز الطلاب الذي يهتمون بالعلم والدراسة عن الطلاب غير المهتمين والذين يثقلون كاهل الأساتذة في تدريسهم لإعادة تأهيلهم.
أبنية غير مخصّصة
أضاف محمود: يمكن من خلال تلك المكتبات أن نحفز الطلاب على التعلّم الذاتي، مشيراً إلى أن التعليم لدينا حفظي، حيث يعطي الأستاذ الدروس ويقوم الطالب بحفظها ويتقدم إلى الامتحان بما حفظه فقط، بينما في دول العالم المتطورة نرى أنه لم يعد هناك مقررٌ معينٌ، بل إن الطالب يُعطى عناوين متعددة ويبحث فيها ويقوم بعمل حلقات بحث، مؤكداً أنه لا يمكن حلّ هذه الإشكالية إلا بإيجاد حصة قراءة أسبوعية على غرار الرسم والموسيقا وغيرهما، متسائلاً: كيف يمكننا تأمين قاعة لدروس الموسيقا ولا نستطيع تأمين قاعة للقراءة، مع العلم أن تأمينها بسيط وأسهل بكثير من غيرها!. وتابع محمود: لا بد لنا من تأمين المكان، أي قاعة المكتبة في كل مدرسة، ويجب أن تدخل في مخطط بناء كل مدرسة وتجهيزها بأحدث الأدوات، كما يجب إشراك أمين المكتبة في لجنة وضع حاجات المكتبة ومستلزماتها لكونه الأكثر درايةً فيها، ولذلك لا بد أن تولي وزارة التربية هذا الموضوع كل اهتمامها، محمّلاً إيّاها مسؤولية دعم المكتبات المدرسية، قائلاً: يجب أن تطلب وزارة التربية في مسابقاتها خريجي قسم المكتبات وخريجين جامعيين ليكونوا أمناء لهذه المكتبات، فسابقاً كان يوضع أي شخص ومهما كان مستواه الثقافي والتعليمي أميناً لها، إضافة إلى ذلك لا يمكننا إغفال أن هناك العديد من المكتبات النموذجية في سورية ولكنها قليلة جداً وغير عامة.
قانون قاصر!
بشأن عدم تفعيل دور المكتبات في المدارس وغياب الكتب فيها وطريقة اختيار أمين المكتبة، قال أمير حميد مشرف المكتبات المدرسية في وزارة التربية: فيما يخصّ هذا الموضوع قمنا بالعديد من ورشات العمل في الوزارة، فضلاً عن نشاطات مختلفة في هذا المجال، ووجّهنا العديد من الكتب في هذا السياق ولكننا نفتقر إلى من يستطيع القيام بهذا العمل، كما أن النظام الداخلي للمدارس لم يفعّل دور أمين المكتبة.
وبالنسبة لتفعيل هذه المكتبات بيّن حميد أن الوزارة قامت بعدة خطوات، منها إرسال قصص مصوّرة للمدارس، إضافة إلى موضوعات ثقافية متعددة وتم تنفيذ خطط توجيهية في هذا الموضوع، مشيراً إلى إقامة مسابقات دورية بين المكتبات حسب قدرة كل مدرسة وكل مكتبة، لأن القدرات تتفاوت فيما بينها، كما أن هناك نشاطات أخرى تتضمن قيام مدرّس كل مادة بزيارة المكتبة مع الطلاب وتكليفهم بحلقات بحث في موضوعات موجودة ضمن المكتبة.
كتب إلكترونية!
أكد حميد أن الحرب على سورية أثّرت سلبياً في مختلف القطاعات الثقافية والتي يمثل هذا القطاع أحدها، حيث إنه كان بإمكان الوزارة وبمبالغ بسيطة إغناء المكتبة بالكثير من الكتب القيّمة، إلا أن الغلاء الكبير في أسعار الكتب الذي تضاعف بشكل كبير حالَ دون ذلك، مشيراً إلى خطة الوزارة لطرح كتب إلكترونية تلبي احتياجات الطلاب.
وفيما يتعلق بالمناهج الجديدة التي تعتمد على البحث في المكتبات لدعم المعلومات التي تقدّمها من خلال قراءة الكتب ووجود وسائل إيضاح لربطها بالمناهج التي صدرت مؤخراً، قال حميد: في هذا الجانب يمكننا القول إن هناك تقصيراً معيناً من وزارة الثقافة التي لم تعدْ تزوّدنا بكتب حديثة، بل إنها ترسل لنا في أغلب الأحيان الكثير من الكتب الموجودة في مستودعاتها للتخلص منها، مضيفاً: وعلى صعيد تقنيات التعليم فإن وزارة التربية تقوم برفدنا بكل ما أمكن من وسائل حديثة تساعد في العملية التعليمية (بروجكتر، سبورة ضوئية وأدوات أخرى..)، غير أن ذلك كله لا يغني عن وجود المكتبة المدرسية.
أخيراً..
بناءً على ما سبق ونظراً لأهمية المكتبة في حياة التلميذ الدراسية حاضراً ومستقبلاً، فإننا نأسف لاستمرار مشكلة غياب المكتبة المدرسية، وقيام وزارة التربية بتعيين أمناء مكتبات غير مؤهّلين وغير قادرين على تحمّل هذه المسؤولية، وذلك بتحويل الكثير من المدرّسين والمدرّسات إلى أمناء مكتبات من دون مبررات علمية وقانونية، كما نأسف لواقع المكتبات المدرسية المهمّش، حيث لا تُعطى أهمية من حيث المراقبة والدور المنوط بها، إذ إن الكثير من إدارات المدارس تعتبر وجود المكتبة ثانوياً، وجلّ اهتمامها منصّبٌ فقط على المنهاج الدراسي من دون الالتفات إلى احتياجات الطالب الإبداعية والجمالية ومراعاة أنه سيتخرّج من الجامعة بعد سنوات وهو يجهل قيمة الكتاب وصنوف العلم والمعرفة وأساليب البحث في مصادر المعلومات، وكيفية مواجهة الانفجار المعرفي في عهد التكنولوجيا والثورات العلمية الجديدة والمتسارعة.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: