الثلاثاء, 16 تشرين الأول 2018
مجلة جهينة > إصدارات > من حكايات العشق لـ. حسن إبراهيم الناصر
من حكايات العشق لـ. حسن إبراهيم الناصر
الأدب مرايا، سواء ما ذهب منه إلى الواقع أو ما سعى إلى استشرافه، ولعلّ محكيات الواقع بذاته قد لا تنعكسُ في المرايا لمجرد الانعكاس، بل إنها كثيراً ما تفضي إلى الرؤيا التي أرادها المبدع، لكي يؤثّث ذاكرتنا في المحلوم به وبالمشتهى، وتبئير هذه المرئيات لتصبح نسيجاً من اللغة والفكر في عوالم قصصية بامتياز، لكن ما يميزها أكثر هو أنها موصولة بشغفٍ لا ينتهي وبانخطافات الروح التي تتوسل أبداً تدوين لحظةٍ سوريةٍ فارقةٍ، وتجاوز هذا التدوين إلى أكوان سردية تتواتر دهشتها في فضاءات يمكن للخيال فيها أن يركّب محكياته، كما للواقع أن يتجلى بوصفه غير واقعٍ.
هكذا تأخذنا قصص الكاتب والقاص والأديب حسن إبراهيم الناصر إلى تأمّل تلك المحكيات التي يعاضدها بالجمَال وبتلك الأصوات التي تحكمُ تدفق السرد منذ أن قال لها: (اسمعيني جيداً، لن أكفرَ بالحياة، حتى لو صارت كل الأشياء الجميلة نافرةً، ولو ضاقت الأمكنة وأصبحت الوجوه مجرد أقنعة).. وفي هذا الكون الدلالي يذهب الكاتب ليقرأ ما وراء الوجوه حتى يبث جمالاً مقيماً يناهض العتم (المعشّش في الصدور كخيوط العنكبوت)، ولغته التي تعتملُ بالشعرية المقطّرة حدَّ الإدهاش سوف تعني كثافةً إضافيةً للجمَال ولتسريد البوح: (لا يكفُّ قلبي عن الشوق لسماع تراتيلك في فجر الضوء)، لكن ما يتصادّى في النصوص من وجع المدن ونزيف عشّاقها وتواتر حكاياتها سيبدو العشق في هذه الأكوان التي يبرعُ بها الكاتب لكي يذهب في رحلة (سيكوعشقية) ويجهر على لسان شخصياته (هنا جذوري حتى عشق التراب- دعك من نزيف الوجع واغسل وجهك بالضوء، أعرفُ أنك مسكونٌ بسورية).. وبذلك يصيرُ الواقع في حكاياته الأخرى، الزاخمة بشعرية المعنى والمناهضة لكل قبح ممكن، دليلاً لرحلة القارئ في تلك المحكيات السورية- السورية، خصوصيةً وفرادةً وأسلوبيةً، تحتفي بالأشياء لتبثَّ رسالتها، كما نذهب مع الكاتب إلى أنها (رسائل الحياة التي لا تتوقف). ومن أفق الحنين ندلفُ إلى عتباته بوصفه ذاكرةً واستحضاراً، ربما لأزمنة تعيدُ لنا طراوة روّيها وطزاجة سردها، لا سيما تلك الممتزجة بالعشق، لكنها الذاهبة إلى فضاءاته في محكيات العشاق بوصفها نقيض الحرب وصوت الحياة.
حكايات يسردها الشغف وحكايا الحارات والناس والبسطاء والعشاق، التي ما انفكت تكون ذاكرةً مفتوحةً على الأناشيد الخفّية للروح، وهي تُناهضُ الخراب بالعشق، لكنه ليس لذاته، ذلك الذي يبرع –الكاتب- في تطييفه حتى يبلل حكاياته بالصبابات والأنين الناحل لشخصياته، ليست حكايات متشابهة بقدر ما هو جوهرها الذي يفيضُ عليها بتعدّد المرايا (قالت: كم تحبُ الشام؟ نظرتُ في وجهها حتى أشبعت ظمئي، أخذتُ كمشةً من الرمل وألقيتها إلى البحر، وأنا أردّد ما قاله الشاعر نزار قباني فيها، إني أحب.. وبعض الحُبّ ذبّاح؟).. وهل هي حكايات الشهداء والأحياء، الأمكنة والمسكونون بها، الأمكنة الموزّعة على خريطة الجرح السوري، وما يعادله فيما يبدعه الكاتب من قوة مثال الروح بوصفها الشاهد على الحياة وما بعد الحياة: (هذه الأرض التي ارتوت بدمائكم تحرسها أرواحكم، يا أكرَم وأنبَل بني البشر).. هي نصوصٌ مثقلةٌ (بالعشق والذاكرة) واستدعاء مروّيات سورية بامتياز، يحايثها خيالٌ شفيفٌ وتسكنها لغةٌ تنفتحُ على دوَالّها، هي النصوص التي تسعى للعبور من الزمن الراهن إلى الزمن القادم، حيث تحملُ نزفَها إلى ذاكرة جمعية أكثر اتساعاً وأكثر رحابةً لنستعيدها من ليال العتمة تماماً كما (ضوء يأتي حتماً والحُب ينتصر في النهاية.. لابد أن نذهبَ إلى تلك السفوح نُشعل معاً مجمَرَة البخور لكي نتبارك بتراب أضرحة الشهداء)، إذ إنه في كل ما دوّنَ في اللحظة السورية الفارقة من قصص وحكايات هو وثيقة للتاريخ، التاريخ القادم.

*من حكايات العشق
*سلسلة القصة
*منشورات اتحاد الكتّاب العرب
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: