الثلاثاء, 16 تشرين الأول 2018
مجلة جهينة > تشكيل > الأقنِعَة.. للتمويه والتزييف والتوحيد!
الأقنِعَة.. للتمويه والتزييف والتوحيد!
د. محمود شاهين

القِناع أو (المَاسِك) هو وجهٌ مفرّغ العينين وأحياناً الشفاه، يُغطّى به الوجه لأهداف وغايات اجتماعيّة وتعبيريّة وتنكّريّة وتزيينيّة واحتفاليّة.. وغيرها، فقد عَرِفَ الإنسان القِناع مُبكراً، واستخدمه لغاياتٍ تتعلق بالمعتقدات والأساطير، ثم فيما بعد لغاياتٍ تنكّريّة تزيينيّة بحتة، لكنّ بعض الشعوب القديمة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا ما زالت تستخدم القِناع للغايات والأهداف القديمة نفسها المتعلقة بمعتقداتها وأساطيرها القديمة – الجديدة، حيث تعدُّ الأقنعة فناً شعبياً موغِلاً في القِدم، بدأ بسيطاً خالياً من الزخرفة والتنميق، ثم تطوّر ليصبح عملاً فنياً متكاملاً يجمعُ بين جملةٍ من الفنون والحرف، منها: النحت والحَفَر والطَّرق والرسم والتلصيق والتجميع والزخرفة والقولَبة.. وغيرها.

مواد ومهام مختلفة
الأقنِعَة أنواعٌ وأشكالٌ صُنعت من مواد مختلفة، ودخلت إليها خامات عديدة، وقد اختصّ بها فنانون وحرفيون وقدّموا من خلالها أعمالاً فنيةً رفيعةً في مستواها التقاني والتعبيري، وذلك بعد أن تحوّلت إلى مجرد وسيلة للتنكّر والتزيّن خلال العصور الوسطى وعصرنا الحالي، فكانت الأقنعة لدى الشعوب البدائية تُصنع من قبل أفراد الأسرة من مواد البيئة كالخشب وجلود الحيوانات وعظامها والشّعَر والخيوط وأوراق النباتات، وتُطعم بالخرز والأحجار الكريمة ودروع السلاحف والأصداف وغير ذلك من المواد والخامات المتوفرة في البيئة وفق مفهوم اجتماعي ورموز ودلالات تشير إليها وتحملها كافة العناصر الداخلة في صنعها وطريقة تموضّعها فيه، إذ كانت هذه الشعوب القديمة تلبسُ القناع في أعياد الخِصْب أو الحرب، وكان يوحّد بين أفراد القبيلة أو الشعب، ويزيلُ كل تناقضاتها الشكليّة والنفسيّة، ثم يقومُ هؤلاء الأفراد بممارسة الطقوس المعتادة ضمن حالة من التوحّد والتوافق والانسجام العالية، وهكذا يقومُ القناع هنا بتذويب الحالة الفرديّة للشخص في الحالة الجماعيّة.
فن التمويه والتزييف
الحقيقة المؤكّدة أن القِناع أو (المَاسِك) من الفنون الأولى التي ابتكرها الإنسان، والمتاحف واللُقى الأثريّة تؤكد هذه الحقيقة، ونحن في بلادنا عَرفَنا هذا الفن مبكراً، فقد وجدناه لدى السومريين والآشوريين وغيرهم، والقِناع وفق المفاهيم والدلالات الشعبية هو شكلٌ من أشكال التمويه أو التزييف، غير أنه في حقيقة الأمر وسيلة من وسائل إذابة الفرد في الجماعة، هذا ما كان في السابق، لكن الأمر اختلف وتبدّل في العصور اللاحقة، حيث استخدم القِناع في العصور الوسطى وما بعدها في أوروبا بهدف التمويه والتنكّر والتخفّي، إذ يضعه الإنسان لإخفاء ملامحه الحقيقية لهدف عاطفي أو انتقامي أو سياسي أو دلالي.. إلخ. ثم ظهر ما يُعرف بـ«قِناع الموت»، وهو قناعٌ يُؤخذ مباشرةً عن وجه الميت بوساطة الجِبس من أجل التوثيق لملامح الشخص المتوفى، وبالإمكان أخذه عن وجه الإنسان الحي وفق تقنية خاصة توفر إمكانية استمرار الإنسان (الذي يُؤخذ لوجهه القناع) بالتنفّس وتالياً الحياة.
وفي وقتنا الحالي، تفتّقت مواهب صنّاع الجمَال وسدَنَته عن سلسلة جديدة من الأقنعة و«الماسكات» الخاصة بتجميل المرأة وتزيّنها، منها ما يُوضع على الوجه بعد أن دخلته مواد وخامات وزخارف وتشكيلات مبتكرة، ومنها ما يتم بوساطة مواد خاصة من أجل تنقية البشرة ومعالجة أمراضها أو تغيير ألوانها، ومنها ما بات يتم جراحياً - أي تغيير الملامح- كتقصير الأنف ونفخ الشفاه والخدّين وتوسيع العينين.. وغير ذلك من عمليات التجميل السائدة حالياً، خاصةً في عالم المغنّين والممثلين، وكل ذلك يتحدّر من صُلب القناع أو (الماسك)!.
تاريخ طويل
من غير السهل تحديد أول ظهور لـ«الماسك» في العالم أو تحديد وظيفته الأولى بدقةٍ، حيث وُجد في المقابر وأماكن أخرى، ما يؤكد تعدّد وظائفه واختلافها من شعب إلى آخر، ومن زمن إلى آخر أيضاً. فقد حمل القناع عند الإغريق اسم (برسوبون Prosopon) أي الوجه، وكان متعدد الأشكال والمهام، ويغطي الرأس بكامله، وقد صُنع من الخشب والألياف النباتيّة وفيما بعد من الجِبس، وأحياناً كان يُلوّن ويُستعمل لأغراض دينيّة أو أثناء الحروب أو التمثيل. أما في إفريقيا فتقول الأسطورة إن إحدى السيدات رسمت وجهاً قبيحاً على دلو الماء من أجل إخافة ابنتها التي كانت تصرُّ على اللحاق بها إلى نبع الماء، ما أدى إلى إخافتها وبقائها في البيت. ومن جانب آخر كانت القبائل الإفريقيّة تُؤمِن بوجود الأرواح الشريرة وأرواح الذين ماتوا وتأثيرها القوي في الأحياء، لذلك قاموا بصنع أقنعة للحماية، معتقدين أن هذه الأرواح غير قادرة على التعرّف إليهم إذا ما وضعوا هذه الأقنعة على وجوههم.
وفي أوروبا، شاعَ استعمال القناع في مناسبات عديدة، لاسيّما في المسارح والمهرجانات التنكّريّة والأعياد، وتعددت أشكاله ومواده وخاماته وزخارفه وطرائق استعماله، وكان يغطي كامل الوجه، أو يقتصر على العينين والفم. وكذلك الأمر بالنسبة للأقنعة الصينيّة التي ارتبط بعضها بالمسرح و(الماكياج)، وباتت جزءاً أساسياً من عالم الفن، إذ كان أول ظهور للأقنعة الصينيّة في عهد (شانغ وتشو) قبل نحو 3500 عام، وكُرّست لأغراض مختلفة منها: أقنعة احتفاليّة وأقنعة حديثي الولادة وأقنعة لحماية المنزل وأخرى للمسرح، كما ظهرت الأقنعة في حضارة (المايا) حيث زُينت بها وجوه الموتى، واستخدمت خلال الأحداث المهمة، وتميزت بأسلوبها الفسيفسائي واستعمال أحجار (البشم) في تنفيذها، وارتبطت الأقنعة بشعارات «الهنود الحمر» ومناسباتهم الدينيّة والاحتفاليّة، كما كان للأقنعة عند اليابانيين حكايات ومدلولات عديدة، وارتبطت كذلك بالمسرح، واُعتبرت من العناصر الرئيسة فيه.
القِناع الحديث
تشعَّبَ استخدام الأقنعة في وقتنا الحاضر، فبعضها ما زال مرتبطاً بالمسرح والماكياج، وبعضها الآخر بالأعياد والاحتفالات والمهرجانات، لاسيّما التنكّريّة المعروفة باصطلاح (الفاشينك) وهي تقاليد قديمة لا تزال مستمرةً لدى العديد من شعوب العالم للأغراض القديمة نفسها أو لأغراض جديدة، أبرزها وأهمّها التنكر وإخفاء الملامح والتزيّن (خاصةً لدى المرأة)، حيث يُستخدم بعضها لإبراز مكامن الجمَال في وجهها كالعينين أو الفم أو الشّعَر، ولكن مع تطور التكنولوجيا وتوفّر مواد جديدة خفيفة الوزن وسهلة التصنيع كالبلاستيك والبوليستر والبوليسترين (ستريوبول) والمعادن الخفيفة (الألمنيوم) والمعجونة الورقية الممزوجة بالغِراء والطباعة والشمع، تطوّرت صناعة القوالب والصّب، وبالتالي تطورت صناعة الأقنعة، وتعدّدت موادها وخاماتها. هذا من جانب ومن جانب آخر ما زالت بعض الشعوب تصنعُ الأقنعة من المواد والخامات التقليديّة كالخشب ولحاء الشجر والنباتات وريش الطيور وعظام الحيوانات والشّعَر والجلود والأصداف ودروع السلاحف والمعادن.. إلخ، كما استمرت عملية تزويقها وتطعيمها بالخرز والأحجار الكريمة والذهب والفضة، وأًدخلت إليها بكثافة الألوان التي حوّلت بعضها إلى لوحاتٍ مفعمةٍ بالحركة، حافلةٍ بالرسوم والمزوّقات، مملوءةٍ بالرموز والإشارات، مختلفة التعبير، متعددة المهام والوظائف والاستخدامات، ما يجعلنا نجزم بأن جزءاً ليس باليسير من تاريخ الإنسان نقلته إلينا هذه الأقنعة، كما عكست هواجسه ونظراته ورؤاه إزاء قضايا كبيرة شغلت فكره ووجدانه، وما زالت حتى (اليوم) تفعلُ فعلها في كيانه المادي والروحي فتصوغُ فلسفته، وترسمُ معتقداته، وتُشكّلُ فكره تجاه قضايا حياتيّة كبرى لم يحسمها عقله رغم الإنجازات العلميّة والتكنولوجيّة الهائلة التي تحقّقت له.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: