آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

أعادت الحياة إلى المركز الثقافي في القامشلي.. الأديبة فائزة القادري: بلقيس دمشقية وإلى دمشق العشق تنتمي

جهينة– أحمد علي هلال:

في مواجهة الحرب، ظلت المرأة السورية تقدم مآثرها الكثيرة على اختلاف مواقعها وأدوارها، ذلك أن الحرب التي طاولت كل شيء لم تُثنِ عزيمتها في محاولاتها الدائمة للبناء والخلق والابتكار، إذ تتعدّد صورها من أم الشهيد إلى الشهيدة إلى المبدعة إلى العاملة، وتلك صورهن التي أصبحت ذاكرة سورية المعاصرة بما يتسع لها الإلهام من أن تمثل دروساً يومية/ مستقبلية متجدّدة لقراءة سيرورة التحولات كما الإنجازات رغم كل المصاعب والتحدّيات، ذلك أن المصاعب هي بمعنى من المعاني فرص لجدارة الحياة.. تماماً كما هي الأديبة فائزة أحمد القادري التي تنقلت بغير موقعٍ بحكم عملها الثقافي من معلمة إلى مديرة مدرسة إلى مديرة مركز ثقافي في القامشلي كُلفت بإدارته وإحيائه، على الرغم مما طاوله من تدمير ممنهج بسبب الحرب الظالمة على سورية، عصف ببنيته وأحاله إلى أنقاض، حرب طاولت الحجر ولم تطاول الروح.

على المسرح المحترق

من القامشلي المدينة الحدودية القديمة التي تعتق فيها عطر الجذور، ستعيد إنتاج ماضيها الثقافي برؤى مبدعة، جاءت ابنة عامودا فائزة أحمد القادري محمولة على شغفها بأن تعيد للثقافة حضورها، ففي طفولتها كانت رائدة في الفصاحة والخطابة وإلقاء الشِّعر، بل حاولت الكتابة في غير جنسٍ إبداعي، على الرغم من أنها لم تتفرغ للكتابة فقد آثرت أن تبدع بطريقة مختلفة، هو أن تعيد الحياة إلى مركز ثقافي القامشلي وهو المركز الوحيد الذي يعمل في تلك البقعة البعيدة، لكن عملها سيتعدى إحياء النشاطات الثقافية والفنية إلى العودة بالحياة الثقافية إلى مربعها الأول، إذ سيصبح فضاء المركز وغرفة الإدارة هو المعول عليه لإحياء تلك الأنشطة واستعادة الكتّاب والمثقفين ليقوموا بالأدوار ذاتها التي تعني عودة الحياة الثقافية من جديد، وهذا ما جعلها كما تقول: «وضعت خطة لإحياء كل جوانب الحياة في هذا المركز حتى لو كان غير صالح لتنفيذ الأنشطة، سننفذها في الحديقة ومكتب المدير وربما في الشارع وأمام المركز، ومختلف الأنشطة الفنية والأدبية للصغار والكبار والشباب، حتى إنني أعدّ لتنفيذ أنشطة مختلفة على المسرح المحترق تماماً، بتعاون مع الجميع ومساعدة من جميع أطياف وأبناء مدينتنا ومنطقتنا».

إعمار الأرواح

الرهان على الثقافة في مجتمع محلي عانى جراء الحرب ونزف مبدعيه ليذهبوا في غير اتجاه، كان الهاجس الرئيسي الذي سكن الشاعرة والأديبة فائزة أحمد القادري بوصفها مديرة مركز ثقافي لم يتبقَ منه إلا شظايا، فكيف لها أن تعيد تأهيل الأرواح من خلال عملها الإداري في بلدة محبة للثقافة والإبداع، وكيف تعبر إلى استحقاقات هذه الثقافة وأمامها عناوين محفزة للخلق والإبداع، وكيف ستعبر إلى الضفاف الأخرى، ضفاف الأرواح الموقوتة- كما تقول.

موئل لزقزقة القلوب

سورية في زمن الحرب، والمرأة السورية وريعان حبها في مواجهة الحرب، كانت عناوينها لتدخل في معترك عمل استغرق وقتها وجهدها وعصارة روحها لتستشفّ من كل فكر إيجابيات، ومن الإيجابيات تصوغ مفهومها للسعادة، فانطلقت لنشاطات ثقافية عدة من أصبوحات شعرية لشعراء وشاعرات كانوا يتنحون لأسباب عدة، منحتهم ابتسامتها وشجعتهم، ذلك أن إعادة إحيــــاء الأدوار الثقافيـــــــــــــــة ليست محض رغبة إن لم يســـــــــــــتقم لها من الـواقع ما يؤهلهـــا لأن تصبح حقيقة، وبمضاعفة الرهان على الثقافة بوصفها جامعةً لهواجس الكثيرين ومواهبهم انطلاقاً من أن الحرب على سورية استهدفت الثقافة بنيةً وحياةً وسلوكاً، فالرهان سيكون دائماً على تنامي الوعي الجديد، ولاسيما في مدينة شأنها شأن كل المدن السورية في الأثمان الباهظة التي دفعتها.

نواة ثقافية اجتماعية

تقول الشاعرة والأديبة فائزة أحمد القادري: «كان لي طموح وأمنية بإقامة صالون أدبي كصالون مي زيادة.. مي التي أحبّ كتاباتها وسيرتها الأدبية، فكانت ولادة –عبق الثلاثاء الثقافي- الذي استقبل أولئك المبدعين والمبدعات ومازال يستقبل مُحبي الحرف ومساندي الثقافة.. هناك من يقرأ ومن يستمع ومن يوثّق ولا ينتهي اللقاء إلا بذخيرة من محبة واكتساب معرفة ومودة اجتماعية»، تفخر إذن بـأنها شكلت نواة ثقافية اجتماعية يجمعها التواصل والتوادد والتثاقف من خلال المحاضرات والندوات التي تمسّ الواقع، وصولاً إلى تفعيل فئة الشباب وحتى الأطفال، أن يكونوا موجودين مع كبارهم ليستقوا منهم أن المستقبل بهم ولهم، وهكذا انفتحت صالة المركز الثقافي في القامشلي على أصوات وحكايات جديدة، جعلت ذاكرة الحريق أبعد، لتصبح ذاكرة التوهج حاضرة، وفضاؤها القاعات البديلة لتنشأ تقاليد اجتماعية وثقافية غابت طويلاً، لكنها عادت لتكون أكثر صقلاً للشخصية الثقافية وعودة طقوس القراءة في مركز ثقافي قصي وبعيد، سعى الإرهاب إلى تشويهه، بل تشويه دلالة الثقافة في قدرتها على الخلق والبناء والإبداع، فإعمار الأرواح هو المهمة الجسيمة التي كانت في صلب شواغل الأديبة فائزة أحمد القادري، لتصبح بذاتها أنموذجاً يعبر بالمركز الثقافي في القامشلي من زمن إلى زمن جديد تُجسد فيه قيمة حضارة الحرف، إذ إن حريق المركز الثقافي سيصبح في الزمن الآخر مجازاً للولادة الجديدة لأجيال شابة تقرأ وتتعلم، وتعيد عقدها الاجتماعي مع الثقافة بوجهها السلوكي والقيمي، أكثر منها طقوساً عابرة ومجانية، فشروخ الخشب لا تعني شيئاً أمام شروخ الأرواح، واحتراق المكان بكراسيه لا يعني شيئاً أمام من توهجت بهم الحياة من جديد، ليعطوا قوة المثال على حضوراتهم الأخرى في مقابل تجليات الحرب والفقد الذي طاول كل أسرة في الجزيرة بل في سورية، وما وقع على المرأة من آثار ليست تُمحى، لكنها دورة الحياة التي ستعيد لها ألق روحها وحضورها على مساحة صغيرة جغرافياً لكنها العميقة بما تكتنزه من إرث حضاري وتعبير ثقافي.

بلقيس سورية

ذات زيارة لسماحة المفتي العام للجمهورية د. أحمد بدر الدين حسون، لقّبها ببلقيس.. هذا اللقب الذي منحها جدارة الانتماء إلى تاريخ بعينه، كانت فيه المرأة السورية صاحبة الفعل والإنجاز، فهو مسؤولية لتستمر أديبة وراعية للثقافة، بما يمكنها من جسر الهوة بين الثقافة والإنسان، والأدل المرأة السورية في زمن الحرب لتستمر في نهوضها وعطائها، فالمرأة المثقفة هي رهان على نهضة مجتمع، على الرغم من التهميش الذي أصابها، ولابد -كما تقول الأديبة فائزة القادري- من فرز حقيقي يتبنى الكفاءات المبدعة، فهي تنظر بعين اليمامة إلى جانب الرجل في مجتمعها الذي تريده ثابتاً ولا ينهار.. فائزة القادري كشجرة ياسمين برقّتها تحاول أن «تتعربش» على البيوت، تقول وبكلّ ما تملك من جمَال إنني دمشقية إلى دمشق العشق أنتمي. ففي كل مكان يتاح لها فيه منبر تحاول رسم لوحة وطنية إنسانية مقنعة، وتحت سماء الإنسانية كل فكر هو مطر خير.

فائزة أحمد القادري
• مواليد عامودا- القامشلي.
• رئيسة مركز ثقافي القامشلي.
• عملت في التدريس إلى أن كُلفت بإدارة المركز الثقافي.
• ناشطة ثقافية تحرص على وجود العائلات في مركزها الثقافي، وتنظر للثقافة كتنوع.
• أعادت الحياة إلى مركزها الثقافي في ظروف صعبة جداً، وتعمل على استقطاب المثقفين من بلدتها، وتحاول تجاوز آثار الحرب والتهميش الذي عانت منه المرأة في القامشلي بالتعويل على النهوض بدور المرأة في زمن الحرب.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock