آخر الأخبارحوارات

الفنانة وفاء الموصللي:نجاحي مرتبطٌ بنجاح بلادي حتى تصل إلى أعلى المستويات

جهينة- لبنى مرتضى:

لم تكن علاقتها بالفن إلا انفتاحاً على قيم الحياة وماهية وجودها، لكنها قيم الإحساس بالجمَال والآخر والمجتمع الذي تعيش فيه.. تجربتها الفنية تجاوزت حدود الفن نفسه لتكتسب خبرتها ومسيرتها على مستوى هذه الحياة وبوصلتها المُوجهة للوطنية والانتماء الإنساني، كشفت علاقتها بالتمثيل وهي خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين، عن رؤيةٍ عميقةٍ منذ أن حطّت قدميها على طريق الفن الشائك، واستمرت بالنضوج لانتقاء أدوارها بعناية حتى تحرّرت من شخصية مُقنعة تمثل دوراً معيناً إلى شخصية حقيقية أكثر إقناعاً ومتماهية معها بكل تفاصيلها، فأصبحت والدور كلاً واحداً لا يتجزأ، وكانت الأكثر جرأةً بالبوح عن كينونة العاشق لبلاده رغم كل الانعطافات السياسية والاجتماعية، ممثلة مبدعة تشهد لها مواقفها قبل الأزمة وأثناءها وما بعدها، انحازت كما الكثير من الفنانين إلى وطنها ووقفت إلى جانب شعبها في هذه المحنة الأليمة.. إنها الفنانة وفاء الموصللي التي التقتها «جهينة» في الحوار التالي:

المتنفس الوحيد

بدايةً لو نتحدث عن المعوقات في حياتنا الاجتماعية والفكرية التي تحول دون تطور مسيرة الفنان على مستوى الوطن العربي عامةً والسوري خاصةً؟
دائماً نقولها بصدق وصراحة في الحديث عن المعوقات، نحن محكومون في أي عمل درامي بشروط محدّدة، وكما نعلم فإن لكل بلد عادات وتقاليد وسياسة معينة تحكمه، فنحن هنا مُجبرون على بيع أعمالنا الدرامية للمحطات العربية، وهذه مشكلة كبرى تعوق عملية التسويق، هل هذا العمل يتناسب مع البلد الذي سيتمّ بيع العمل له كبعض الأعمال التي تتحدث عن تاريخنا وسياستنا، وتلك التي تتحدث عن حقوق المرأة وتختلف من دولة إلى أخرى حسب الأنظمة المتبعة والتركيب الفكري والثقافي لكل دولة، حيث إن صنّاع الدراما غالباً ما يقفون في حيرة، فهل يفصّلون عملاً على مقاس هذه الدول أم يقدمون أنفسهم وثقافتهم حسب تاريخهم وحضارتهم وسياسة بلادهم. (اليوم) المتنفس الوحيد للفنان السوري هو القنوات الفضائية المحلية التي تعرض أعمالنا المتوافقة إلى حدّ كبير مع الأسس والأفكار التي نعتمدها في درامانا، لذلك أتمنى أن تكون هناك قنوات سورية إضافية تعرض كيف نفكر وما هي ثقافتنا، كي لا نكون رهناً لنظم اجتماعية وتركيبة فكرية ونفسية للقنوات العربية الأخرى التي تفضّل مثلاً مسلسلات البيئة الشامية بسبب العادات المُحافظة الموجودة فيها، وبرأيي هذا لا يعكس أبداً الصورة الحقيقية لسورية والتي نسعى لإيصالها بأشكال أخرى.

حمام القيشاني

هل أدت الأعمال السورية دورها المأمول في نقل الإرث الحضاري والعادات والتقاليد السورية للآخر، وكيف كان تأثيرها، وهل يمكن للعملية الدرامية أن تكون طريقاً مهماً لنقل صورتنا الحقيقية؟
العمل الدرامي مهم جداً لأنه يعكس الصورة التاريخية والاجتماعية والسياسية والبيئية لبلد ما، فمثلاً مسلسل «حمام القيشاني» وثّق وبدقة شديدة للمراحل التاريخية والنضالية والاجتماعية السورية من خلال عدة أجزاء، وقد ثبّت ذلك بالأسماء والتواريخ الحقيقية، وأيضاً المسلسلات التي تناولت فترة الاحتلالين العثماني والفرنسي أظهرت جرائم هؤلاء وإرهابهم، إضافة إلى الفكر الوهابي التكفيري الذي زرعوه، وكان من حصيلته تدمير سورية (اليوم)، نحن نسمّي هذا احتلالاً وهم يسمونه انتداباً، وأنا أشدّد على ضرورة ترجمة هذه الأعمال ليتمّ طرحها في الأسواق العالمية لبيان حقيقة الأمور وكيف كانت تجري، وكي تؤدي الأعمال السورية دورها المأمول. من جانب آخر هناك أعمال بيئية تظهر جمَال البيئة السورية كالساحلية والشامية والحلبية مثل: ضيعة ضايعة، الخربة، باب الحارة، خان الحرير، الحوت وغيرها من الأعمال، فمثلاً مسلسل «باب الحارة» تحديداً كان مادة مهمة جداً، شجع السياحة الداخلية والخارجية، إضافة إلى المسلسلات التي تناولت تاريخ دمشق القديمة، وعرضت فنون الزخرفة والفسيفساء والمنمنمات والأسقف والنوافذ، وأيضاً جمَال الطبيعة السورية وعلاقة الإنسان بالأرض والحيوان وكيفية التكيف والتعامل، كما لا نستطيع أن نغفل أموراً أخرى كالعادات والتقاليد وتعامل النساء داخل هذه البيوت من تقديم فنجان القهوة والجلسات الطربية التي تعكس صورة الإنسان السوري والموروث البيئي للمجتمع وسمو قيمه وأخلاقه. إذ إن المعركة الفنية والفكرية ليست سهلة وخاصةً لبلد تضعه بعض القوى الغربية على «قائمة الإرهاب»، وللدراما كما أعتقد دور كبير في مخاطبة الآخر لعرض بساطة مجتمعنا وتنوعه والحياة المستقرة التي يعيشها، لذلك أعود للتأكيد أننا بحاجة إلى ترجمة أعمالنا الدرامية لأنها وثيقة حقيقية عن الواقع السوري، كما لا بد من أن نذكّر هذه القوى بمقولة العالِم الفرنسي الذي قال: « لكل إنسان متحضّر في هذا العالم وطنان.. وطنه الأم وسورية».

الاندماج مع المجتمع

الفن.. الثقافة أدوات موكلة، أين نحن منها ضمن المجتمع السوري، وكيف يمكن أن يكون الفنان مرجعية وطنية وفنية؟
الفن مهم جداً على الصعيد الوطني والمفروض أن يرتبط بثقافتنا الأصيلة، وعلى الفنان أن يكون مثقفاً، فالموهبة وحدها لا تكفي، بل هي بحاجة لصقل أكاديمي وثقافة عالية، ولا أقصد بالثقافة قراءة الكتب وحسب بل حالة الاندماج مع المجتمع وهمومه والتحليل المنطقي لسلوكياته، ليستطيع من خلال ذلك تقديم الشخصية القريبة جداً من هذا المجتمع، وألا تكون مصطنعة وغير مُقنعة، إذ عليه أيضاً أن يرى الأمور بعقله وقلبه، وأن يكون ملمّاً بظروف الحياة وتقلباتها، ويمتلك ذكاء الموقف وقوة التحليل، وهنا الثقافة لها الدور الأكبر في نجاح الأدوار التي يلعبها وجعله بالفعل مرجعية وطنية وفنية. فأنا في دور «فريال» بمسلسل «باب الحارة» تقمصت الشخصية ولبستني ولبستها بشهادة الكثير من النقاد والمختصين، ذلك أنني درست البيئة الشامية بكل تفاصيلها من خلال الكتب والبحث ضمن الحارات الشامية وبقائي مع بعض السيدات الشاميات داخل البيوت القديمة واطلاعي على أسلوب معيشتهن، وهنا يأتي علم النفس الذي لا ينفصل أبداً عن الثقافة المجتمعية التي يجب على الفنان أن يضعها نصب عينيه، حيث إن الثقافة الفنية وعلم النفس وجهان لعملة واحدة لا ينفصلان أبداً، نحن ندرس نبرة الصوت وطريقة نطق الكلمة وكيف يأتي معناها، بالتوازي مع حركات اليدين وتعبيرات الوجه والعينين، لذلك ينبغي على الممثل أن يجرّب جميع الشخصيات ويتقنها، وأن يرقص ويغني ويركب الخيل ويعرف الجغرافيا والتشريح والاقتصاد واللغات والموسيقا والسباحة وعادات وتقاليد المجتمعات الأخرى والفنون التشكيلية والعمارة وتطور المسرح، وأن يمتلك جسداً مطواعاً لينجح في كل دور يلعبه.

مسلسلات قاسية جداً

حبذا لو نلقي الضوء على دور الفنان السوري في الأزمة، وما أهم الصعوبات التي واجهت مسيرته الفنية؟
برأيي أن دور الفنان لا يقلّ أهميةً عن دور الجندي على الجبهة، في الحرب والدفاع عن الوطن الكل مسؤولٌ وله عمله، دور الفنان فعال ومؤثر جداً، ولاسيما أنه أهلٌ لثقة محبيه ومتابعيه. منذ بداية الحرب كنا جنباً إلى جنب مع أصحاب الفعاليات الخيرية والثقافية والفنية وحتى الترفيهية في كل بقعةٍ نستطيع الوصول إليها، وكنا نلتقي بواسل الجيش والجرحى وأبناء الشهداء، متمثلين مسيرة قائد الوطن السيد الرئيس بشار الأسد والسيدة الأولى، اللذين كانا مع الشعب رغم الظروف القاسية والوضع الأمني غير المستقر، وأنا شخصياً ساهمت ببعض الأعمال الخيرية الفردية كتأمين الماء لبعض الأحياء والبيوت (أيام أزمة المياه)، وشاركت ضمن جمعية «ساعد» في تأمين بعض اللوازم المدرسية للأطفال، وفعاليات «لقمة صائم» في رمضان، وكنت أقوم أحياناً بدور المرشد النفسي لتخفيف وطأة الأزمة عن النازحين والمهجّرين. أما بالنسبة للأعمال الدرامية التي أُنتجت خلال الأزمة، فهي من وجهة نظري غير دقيقة تماماً في عرض الأحداث لأنها تعتمد على الحالة الانفعالية أكثر من عملية التوثيق للمرحلة، وخلال دراستي في روسيا شاهدت عدداً كبيراً من الأعمال الفنية التي وثقت الحرب بعد انتهائها هناك، ولاسيما بعد فرز الأحداث وتحليلها وتكوين رؤية أكثر وضوحاً عنها، فالأجدى في أعمالنا الدرامية (اليوم) وخاصةً تلك التي تتناول الحرب أن تتمّ عملية التحليل والتقييم أولاً، وبعدها تتم كتابة النصوص الموثقة بالحقائق، فمثلاً مسلسل «مسافة أمان» عرض تداعيات الأزمة على الأسرة والمجتمع السوري ولم يعرض الحرب ومسبباتها والأطراف والنزاعات، أما بعض المسلسلات الأخرى فكانت قاسية جداً لأنها اعتمدت على ردة فعل الشارع على الحدث وأحياناً كانت غير منطقية أو مقبولة في طروحاتها.


وحول الصعوبات التي واجهتنا، أقول: إن الإنتاج السوري عانى ما عاناه من حصار ومقاطعة من الشركات والفضائيات الأخرى فيما يخص التسويق والأجور القليلة، وهناك بعض المحطات أيضاً أدرجت أسماء بعض الفنانين على «اللائحة السوداء» لأنهم انحازوا إلى وطنهم ووقفوا بمواجهة مع من يريد تدميره وتقسيمه، هذا عدا الظرف الأمني الصعب وعدم الاستقرار، فقد كنا نقوم بالتصوير تحت القصف والقذائف والقلق الدائم، ورغم ذلك استمررنا في العطاء والتحدّي وهذا هو الشيء الأجمل.

مؤتمر للدراما

ما هي الخطة المستقبلية لنقابة الفنانين في عملية بناء سورية بعد الحرب، وما الأسس التي ستساهم في تحقيق الانبعاث اللائق بالدراما السورية؟
نقابة الفنانين غير معنية بهذا الأمر، فهي مسؤولة فقط عن ضمان حقوق الفنان، فيما تقوم لجنة صناعة السينما بضم المُنتجين ودعم أعمالهم، أما بالنسبة للمساهمة في تحقيق الانبعاث اللائق بالدراما السورية فلا يسعني إلا أن أذكر ما قامت به السيدة ديانا جبور مديرة مؤسسة الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني سابقاً، حيث عقدت مؤتمراً دعت إليه مجموعة من الكتّاب والمخرجين والمُنتجين والفنانين بهدف النهوض بالدراما السورية ضمن أفكار وتوصيات وتوجيهات، لذلك أتمنى في هذه المرحلة أن يتم عقد مؤتمرٍ مشابهٍ تدعو إليه نقابة الفنانين ولجنة صناعة السينما والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ومؤسسة الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني والمؤسسة العامة للسينما لتقييم المرحلة الماضية وما ينبغي عليهم القيام به في المرحلة القادمة للنهوض بالدراما وطريقة انتشارها عالمياً، وإطلاق خطة لترجمة الأعمال الفنية السورية وخصوصاً الوثائقية التي تمّ إنتاجها خلال الأزمة، وأن تكون من خلال الدولة وليست معتمدة على أصحاب رؤوس الأموال لأنها مسؤولية وطنية علينا الحفاظ عليها.

٤
هاجس الفنان دائماً تحقيق الشخصية الفنية المميزة التي تخدم طموحاته وتطلعاته مهما كانت الظروف، ما هو هاجس وفاء الموصللي، وما هي البذرة التي زرعتها في أرض الشهرة والأضواء؟
هاجسي وهاجس كل فنان حقيقي هو ألا يكون محجوزاً ضمن قمقم أو دور معين أو «كركتر» محدّد يقيد إبداعه وتقدمه وتطوره الفني.. أنا اشتغلت جميع الأدوار بمختلف أشكالها وتنوع حقبها وتاريخها، هاجسي الدائم تقديم شخصية فاعلة ومؤثرة تكون الأقرب إلى الناس وألا أكرر نفسي تحت أي ظرف كان. أما بالنسبة للشهرة والأضواء فلا أهتم بهما قدر اهتمامي بالمسؤولية الملقاة على عاتقي بأن أكون فنانة مُساهمة وبجدية في خدمة المجتمع وتقديم الرسالة بشكلها السامي والفاعل والمؤثر. وكفنانة لا سقف لطموحي، فأنا أنتقد نفسي دائماً وأتعلم دائماً، أجمع مخزوني الفني والثقافي من المجتمع لأعيد تدويره ويكون صالحاً دائماً للعرض، ونجاحي كـوفاء الموصللي مرتبط بنجاح بلادي حتى تصل إلى أعلى المستويات، وأيضاً نجاح ابنتي في علمها وثقافتها ووطنيتها، فأنا استثمرت ثقافتي الفنية والمجتمعية في دعمها وصقلها وتربيتها.
تصوير: ربيع السيروان

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock