آخر الأخبارإصدارات جهينةزوايا

المنظومات القيميّة المفقودة!.. بقلم: د. محمود شاهين

 

رغم كلّ ما لحقَ بإنساننا السوري من مظاهر التمدّن والتطور، فإنه ما زال بحاجةٍ ماسّةٍ لسلسلة من المنظومات التربويّة الاجتماعيّة والوطنيّة والجماليّة، القادرة على ترميم جوانب ناقصة في شخصيته لأسباب ذاتيّة وموضوعيّة: ذاتيّةٌ تتعلق بقابلياته واستعداداته الشخصيّة لتمثُّل هذه القيم والتفاعل معها، وموضوعيّةٌ تعود للمناهج التدريسيّة العرجاء، والتربية البيتيّة والمجتمعيّة الناقصة، والتي أهملت هذه المنظومات، وما زالت تفعل ذلك حتى (اليوم)، رغم كل ما يُشاع عن قيامها بتطوير وتحديث المناهج الدراسيّة في المراحل التعليميّة كافة.
في طليعة هذه المنظومات القيميّة الضروريّة الملحّة والمفقودة: ضعف شعور مواطننا العميق والحقيقي بالانتماء الوطني نتيجة افتقاده العدل وتكافؤ الفرص وإهمال الدولة للكثير من متطلبات ومرافق عيشه الكريم، ولاسيّما السكن ووسائط النقل والعمل.. بعدها تأتي منظومة «التربية الجماليّة» التي تُصعّد من ذائقته البصريّة، وتدفعه لاستنهاض حالةٍ من الذوق والكياسة والترتيب والنظام في المكان الذي يعيش ويعمل ويتحرك فيه، أي في المنزل ومكان العمل والشارع، وهذه الحالة باتت (اليوم) من أهم وأبرز مؤشرات ومقاييس تطور الأمم والشعوب ورقيها الحضاري، وقد لا نكون مُغالين إذا قلنا إن التربية الجماليّة هي إحدى الوسائل المهمّة في محاربة الفكر التكفيري الإقصائي، والقضاء على التخلّف، وكَشَح اليأس من نفوس الناس، لأنّ حواضن الجمَال ومظاهره المختلفة (الفنون، النظام، الترتيب والنظافة) تُعمّق علاقة الإنسان بمحيطه الذي يعيش فيه، وتُصعّد من احترامه للآخر، وتُزيد من إنتاجيته وابتكاراته، وتخلقُ له أسباباً دائمةً للتعلّق بأرضه ووطنه ودولته وبالحياة في آنٍ معاً. إذ إنّ «التربية الجماليّة» مصطلح قديم ورَدَ في كتابات الفلاسفة وعلماء الجمَال، وهي تُعنى برعاية الذائقة الجماليّة البصريّة وتطويرها لدى الناس، والتي تُفضي إلى إيجاد التناغم والانسجام والتآلف بين المجموعة الاجتماعيّة التي ينتمون إليها، وتمتّن من وحدتها وتكافلها، فقد أكدت الدراسات والوقائع أنّ التربيّة الجماليّة أساسيّة في هذه العمليّة إذا ما أُحسن استثمارها وتوظيفها بشكل صحيح، لاسيّما لدى الناشئة واليافعين، حيث رُصدت منعكساتها الحضاريّة الإيجابيّة على حياة الأفراد والمجتمعات والشعوب والأمم والبيئة الحاضنة لهم، لذلك أولتها المجتمعات الإنسانيّة قديماً وحديثاً، اهتماماً كبيراَ، وبحثَ الفلاسفة وعلماء الجمَال والفنانون في أنجع وسائل الارتقاء والنهوض بالتربية الجماليّة لدى الفرد، وبشكلٍ موازٍ مع التربية البدنيّة التي تُكمّلها، فالأولى ترمّم روح الإنسان، وتشذّب أحاسيسه، وتسعى إلى سلامة نفسه، والثانية ترعى سلامة بدنه وصحته.

إنّ وسائل ووسائط تعميم ونشر الثقافة الجماليّة بين الشريحة الواسعة من مواطنينا، هي ما يجب أن ننتبه إليه في عملية إعادة إعمار وتنظيم مدننا وبلداتنا وقرانا، وذلك من خلال ربط الفنون التشكيليّة بأمّها العمارة الخدميّة والسكنيّة وفضاءاتها وفُسحها، وذلك لما لهذه الفنون عموماً -وفن النحت منها خصوصاً- من دورٍ وظيفي وجمالي وتثقيفي مهمٍ في تصعيد معارف الناس وتطوير وتشذيب ذائقتهم البصريّة. ولكي تنجحُ العمارة والفنون التشكيليّة بالقيام بهذا الدور، علينا القيام بمزاوجةٍ صحيحةٍ وسليمةٍ بين القيم الوظيفيّة والجماليّة لهذين الفنين المُنتميين إلى أسرة الفنون الجميلة، وتوظيفها في عملية إعادة تنظيم المدن والبلدات، وبالتالي إعادة النظر بما تحتضنه شوارعها وساحاتها وحدائقها، التي لم يطلها الخراب، من مظاهر معماريّة وفنيّة، جلّها هجين وملفّق وموزّع بطريقةٍ عشوائيّةٍ مرتجلةٍ ضمن فضاءات وأمكنة لا تناسبها، الأمر الذي أفقدها القدرة على تأدية الدور الحضاري والوطني والاجتماعي المطلوب منها.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock