آخر الأخبارإصدارات جهينةزوايا

اليأس موت أيضاً.. والأمل هو الحياة.. بقلم: د. يوسف جاد الحق

 

قال لي في غمار ما كنّا نتحدث فيه عمّا هو جارٍ في المنطقة – والمنطقة تعني العربية والإسلامية – إنه يائسٌ من كل شيء، إذ لم يكن في تصوره في أي يوم مضى من حياته أنّ يوماً سوف يجيء نشهد فيه هذا الذي نشهده – وهو غنيٌّ عن البيان – بل إنّ المرء ليعجز حتى عن البيان والتبيين وسائر ضروب القول والكلام، فما هو جارٍ يفوق الوصف والتصور والمنطق.
قلت له ماذا إذن؟ قال: إذاً عبثٌ ما نكتب وما نقول، ومن ثم فقد أخذتُ على نفسي عهداً بأن أكفّ عن الكتابة وعن الظهور على المنابر الإعلامية، لأنّ ذلك لم يعدْ يجدي نفعاً بعد كل الذي جرى.
عدتُ إلى القول: ولكني أرى، يا صديقي لأن الأمور أمست على الحال التي تصف، أنّ علينا أكثر من أي وقت آخر أن نشحذ الهمم، وأن نحثّ أنفسنا على التصدّي بالكلمة- إن لم نقدر نحن حمَلة الأقلام على القتال في ميادينه – فالكلمة، كتابةً وخطابةً و(تلفازاً) هذا دورها، ولربما كانت معادلة للسلام إن لم نقل إن لها من الفاعلية ما يفوق دور الرصاصة والقنبلة في أحيان كثيرة، وأحداث التاريخ شهدت على ذلك. فكم من الحروب والمعارك أشعلتها أو أطفأتها كلمةٌ! قال: هذا ما تراه أنت، يا صديقي، أما أنا فقد بلَغَ منّي اليأس ما بلَغَ، ولهذا أعلنتك موقفي.
قلت: أصدقك القول، ليس هذا غير هروبٍ من المعركة، أجلُّك عنه وأربأ بك، ويبدو لي أنك لم تصل إلى هذا التفسير إلا… قاطعني: أي تفسير تعني؟ أعني أنك لا تدرك أنّ هذا شبيه بفرار الجندي من المعركة، صحيح أنّ أحداً لن يحاسبك كما يحاسب ذلك الجندي الفار، غير أن من سوف يحاسبك ذات يوم، مَنْ هو أشد وطأة وأقسى حكماً عليك من أي أحد آخر.. هو ضميرك الوطني والقومي.. هو أنت الحسيب الرقيب على ذاتك.. وقد أضيف، بل قلْ يا صديقي إنه حالة مرَضَية.. هو استقالة من الحياة وهروب من المسؤولية سواء كان ذلك على الصعيد الفردي أو الاجتماعي والوطني، بل الإنساني أيضاً. يقتضي منّي الوفاء أن أصارحك بأنّ اليأس هو الطريق إلى مواتٍ حقيقي للذات، يهون أمامه الموت الفيزيولوجي نفسه، شئت ذلك أم أبيت! وقد قيل قديماً: لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة.
***
ذهبَ كل منّا إلى شأنه.. مضيتُ أفكر وأفكر.. متسائلاً: أليس هذا هو ما يهدف إليه الأعداء؟ إدخال اليأس إلى النفوس وصولاً إلى الهزيمة الحقّة. وأفكر.. إذا كانت تلك هي أهداف أعدائنا أولئك الذين لا يحيدون عنها، وعلى رأسها تيئيسنا من إمكان الخلاص، فضلاً عن بعث الأمل في مستقبلٍ آتٍ يعود فيه الحق إلى أصحابه، وتشرق فيه الشمس عن نهار جديد بارع؟ الأمل المتقدة جذوته في نفوسنا هو الباعث على مواصلة السعي للعمل على استعادة حقوقنا التي اغتصبت ذات يوم في مؤامرة قلّ نظيرها في تاريخ البشرية.. الأمل في هذه الحال هو الحياة.. هو نسغها الذي لا تنطفئ شعلته أبداً ومن دونه لن تكون الحياة غير جحيمٍ لا يُطاق.. الأمل هو الباعث كذلك على مواجهة الصعاب أياً كانت أو كان مصدرها.. والأمل ليس حالة واحدة جامدة لدى الكائن البشري، إنما هو سلسلة متصلة من الآمال المتفرقة، أو لنقل هو حلقات متصلة، فما إن يتحقق أمل مرحلةٍ ما حتى يحلّ مكانه أمل جديد.. وهكذا كانت تسير الأمور، وستظل كذلك، لكأنها من نواميس الطبيعة وسنن الكون على الدوام وعلى مدى حياة الإنسان على ظهر هذا الكوكب.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock