إصدارات جهينةتحقيقات

تلوّث وأضرار صحية كبيرة ناجمة عنها..إلى متى تبقى ورشات إصلاح السيارات «تحتل» الأرصفة والطرقات وتُزعج الناس؟

جهينة- وائل حفيان:

 

أي عابرٍ لشوارع دمشق سيلحظ انتشار ورشات صيانة وإصلاح وبيع قطع السّيارات على الأرصفة في مناطق متعددة من المدينة وما حولها، بعد أن نُقلت قبل سنوات إلى الريف وعادت خلال الحرب، لتصبح المدينة حالياً «ورشات رصيف» أو «ورشات سيارات» كما يسميها الصناعيون القادمون من «حوش بلاس» و»مجمّع القدم»، ولكن بعد أن أصبحت دمشق وريفها آمنة لم يبقَ لديهم أي حجة للبقاء في المدينة وبين الأبنية المأهولة بالسكان، حيث تزداد معاناة الأهالي بسبب ممارسات أصحاب هذه    الورشات المنتشرين بشكل عشوائي على الأرصفة والأزقة الخاصة بالمشاة، خاصة أن المواطنين أصبحوا يستيقظون يومياً على الإزعاجات الصباحية المليئة بالصراخ والأصوات العالية وروائح دهان السيارات وانتشار الزيوت على الأرصفة في حارات زقاق الجن والحلبوني وبستان برنية والمزرعة وطريق درعا والمجتهد، على الرغم من أن سكان هذه المناطق تقدموا بالكثير من الشكاوى لمحافظة دمشق ولا من مُجيب، ولسان حالهم يقول: «المحافظة أذن من طين وأخرى من عجين»، لتأتي جمعية الحرفيين وتتهم دوريات المحافظة بالتغاضي عن أصحاب الورشات، مطالبةً بنقلهم خارج المدينة  لاسيما أن الكثير منهم يملكون محال مجهزة في منطقة حوش بلاس وغيرها.

 

الأهالي يشتكون

 

أهالي المدينة والأحياء المذكورة طالبوا في شكواهم المقدّمة لـ»جهينة» بإيجاد الحلّ لهذه الفوضى ولاسيما أن هناك مرضى وطلاباً لديهم دراسة، علماً أنهم تقدموا بشكاوى أخرى سابقة إلى المحافظة فكان الردّ بأنها سمحت لهم بالعمل هذه الفترة في الأحياء، وستقوم بإزالة ورشاتهم في القريب العاجل. ويضيف الأهالي في الشكوى: إن دوريات المحافظة تأتي وتأخذ حصتها وتُوهم الناس بأنها قامت بواجبها، وما إن تغادر حتى تعود الورشات إلى ما كانت عليه وأكثر!.

إخلاء كل الأرصفة

 

يشير (الحاج موفق) أحد سكان منطقة زقاق الجن إلى أن منطقته تعدّ المنطقة الصناعية المختصة بتصليح السيارات وبيع كل مستلزمات الصيانة من قطع غيار وإطارات وغيرها، مؤكداً أن المحافظة قامت بنقلها عام 1999 إلى «مجمع القدم» ومنطقة «حوش بلاس»، ما خفّف ضغطاً عن «زقاق الجن»، ولكن مع اشتداد الحرب التي تمرّ بها سورية قام بعض أصحاب الورشات بافتتاحها مجدداً كورشات متنقلة، والآن ونظراً للوضع الأمني وبعد أن أصبحت دمشق وما حولها آمنةً يجب أن يتمّ إخلاء كل الأرصفة والسيارات التي تتخذ من المنطقة ورشات لها إلى أماكنها خارج المدينة، مضيفاً:  أنا وزوجتي بلغنا من العمر الثمانين ولم نعد نتحمّل أصوات طرْق الحديد ورائحة الزيوت والدهان، مبيناً أن وضعه الصحي تدهور نتيجة هذه الإزعاجات.

أسباب وجود الورشات

 

السيد (عدنان) أحد أصحاب المهن العاملين على الرصيف تحدّث عن سبب مجيئه إلى «زقاق الجن» وافتتاح ورشته المتنقلة بالقول: أغلب العاملين على أرصفة «زقاق الجن» الصناعية هم بالأصل أصحاب محال صناعية في منطقتي «حوش بلاس» و»مجمّع القدم» الصناعيتين، ولكن الحرب دفعت الكثير من أصحاب المهن إلى ترك المنطقتين والاتجاه إلى وسط المدينة كمنطقة زقاق الجن التي تعدّ من المناطق المختصة بتصليح السيارات وما يلزمها.

وحول ما إذا كان عملهم أثّر إيجاباً أو سلباً على أصحاب المحال في «زقاق الجن» قال عدنان: إن عملنا لم يؤثِّر على أي شخص لأننا نحن أولاد مصلحة واحدة، فكل واحد منّا يكمّل الآخر، عدا ذلك لكلٍّ منّا زبائنه الّذين يقومون بتصليح سياراتهم لديه.

من جهته يرى زميله العامل (جمعة) أن «ورشات الرصيف» كما أطلق عليها يقتصر عملها على فك وتركيب الأشياء البسيطة، كتركيب ضوء أو معالجة مشكلة كهربائية بسيطة أو معرفة سبب ارتفاع حرارة المحرك، وهي أمور بسيطة لا تحتاج إلى فك وتنزيل المحرك كاملاً، وهناك من قام باستئجار «خزانة» عند أحد المحال لبيع قطع السيارات ووضع عدّته فيها، وهذا ما شكّل أبواب رزق لكلا الطرفين يتقاسمون فيها الغلة كل يوم.

وتابع جمعة: إن انتقالنا إلى «زقاق الجن» جاء نتيجة أزمة المرور التي تحصل عند الذهاب إلى «حوش بلاس» و»القدم»، وهذا ما دفع المواطن إلى عدم الذهاب إلى تلك المنطقتين لانتظاره أكثر من ثلاث ساعات قبل وصوله إلى المنطقة الصناعية، كما أن أغلب أصحاب المهن في «حوش بلاس» للسيارات الخفيفة أغلقوا محالهم، كل واحد منهم استطاع أن يجد مكاناً لسيارته المغلقة واتخذها كمحل مؤقت أو عابر لتحصيل رزقه.

بدوره السيد (أبو مجد) يقول: محافظة دمشق غير عادلة في قراراتها، فهي تلزم بعض الناس بها وتتجاهل البعض الآخر، مشيراً إلى أن ورشات منطقة كفرسوسة لم تنذرهم المحافظة تمهيداً لنقلهم إلى حوش بلاس أسوةً بورشات البرامكة وزقاق الجن، كما توجد ورشات لإصلاح وبخّ السيارات في حارات الزاهرة القديمة والحديثة وما زالت تفترش الشوارع وتعمل هناك، لم يقترب أحد منها حتى الآن، مضيفاً: هذه التصرفات ستدفع زبائننا إلى قصد تلك الورشات وتوفير عناء الوصول إلى حوش بلاس، وخاصة في مثل هذه الظروف الصعبة التي نعيشها.

جولة في حوش بلاس

 

(المعلم توفيق) كما يناديه زملاء المهنة قال: دائماً يكون هناك تشدّد في تنفيذ القرارات عقب صدورها، لكن سرعان ما تتراخى الجهة المسؤولة في متابعة تنفيذ قراراتها، لتعود المشكلة بعد مدة قصيرة من الزمن إلى سابق عهدها، وهذا ما حصل معنا.

وبشأن عزوف الناس عن إصلاح سياراتهم في منطقة حوش بلاس، عزا (المعلم توفيق) الأمر إلى أسباب عدة، منها بُعد المسافة بين المدينة وحوش بلاس وغلاء البنزين، كل ذلك دفع أصحاب السيارات إلى البحث عن ورشات قريبة من أماكن سكنهم أو عملهم لإصلاح سياراتهم، وهذا ما جعل بعض الورشات تعود إلى قلب العاصمة في البرامكة وزقاق الجن وكفر سوسة ودف الشوك والزاهرة وغيرها وافتراش الأرصفة لأنها ذات جدوى أكثر من تلك المنطقة النائية، ليلحق بهم أصحاب ورشات إصلاح السيارات الباقون عندما ساءت أوضاعهم المادية.

عزوف الزبائن

 

بدوره (سعيد) قال: بتنا نخاف على أنفسنا من العطالة، وإذا بقينا في منطقة حوش بلاس فسنصبح كذلك دون شك، وكرر (سعيد) أسباب عزوف الزبائن عن إصلاح سياراتهم في حوش بلاس والتي سبق ذكرها، مضيفاً: إذا كانت محافظة دمشق غير قادرة على إلزام كامل الورشات بالانتقال إلى حوش بلاس فلا داعي لتطبيق القرار أساساً، وختم كلامه بأنه يتمنى على محافظة دمشق إيجاد أرض قريبة من مركز المدينة وتخصيصها لأصحاب ورشات إصلاح السيارات حتى إن دفعوا رسوماً مقابل وقوفهم فيها.

(بشار- ميكانيكي) قال: على الرغم من نقص الخدمات في مجمّع القدم الصناعي إلا أننا افتتحنا محالنا خوفاً من المحافظة، فهي لا تسمح لنا بأن نعمل على الأرصفة، ومع كل هذه الصعوبات فالخدمات الأساسية غير موجودة في المجمّع ونقوم بتأمينها على نفقتنا الخاصة. ويشاطره الرأي نفسه (طارق- ميكانيكي) و(لؤي- بائع قطع سيارات) في المجمّع ليقولا: لا توجد حركة بيع أبداً والخدمات ضعيفة، فوعود المحافظة أكبر من التنفيذ وحتى الآن فإن عدد العاملين الذين عادوا إلى المجمع قليل جداً. أما الحرفي (جمال) فقد اضطر لترك محله بما فيه بعد أن تعرض للحرق وهو الآن يعمل مع زميل له على أحد الأرصفة في منطقة البرامكة، مع علمه المسبق بأنه معرّض للمخالفة التي يمكن أن تصل إلى السجن.

ورشات مخالفة

 

رئيس الجمعية الحرفية لصيانة السيارات يوسف الجزائرلي قال: هذه المحال والورشات كلها مخالفة ومعظم أصحابها غير منتسبين لجمعيتنا، لأنهم لم يلتزموا بما قررته المحافظة فيما يتعلق بنقلهم إلى حوش بلاس، ونحن كجمعية ليست لنا سلطة عليهم بل السلطة للمحافظة أو البلدية أو فرع المرور، وقامت المحافظة عدة مرات بجولات تفتيشية لكن دون جدوى، مع العلم أنهم إن استجابوا لنقلهم إلى مجمع حوش بلاس فستقدم الجمعية لهم الخدمات المطلوبة مثل غيرهم من المنتسبين، حيث تقدم الجمعية لكل حرفي منتسب لها دفتر حرفة خاصاً به ويُمنح ضماناً صحياً له ولعائلته مع الأدوية والصور والتحاليل، لكن معظمهم يُصرُّ على البقاء ضمن الأحياء مع أن الجوار والسكان يومياً يتقدمون بعدة شكاوى على اعتبار أن هذه الأعمال لا يصح أن تُمارس في مناطق سكنية، والبعض منهم لديه محال في مجمع حوش بلاس، إما قام بتأجيره أو أغلقه، وأصبح يعمل هنا ضمن الأحياء السكنية.

وأضاف رئيس الجمعية: نحن بدورنا كجمعية حرفيّين نطالب بإزالة هذه الورشات من أحياء المدينة ونقلها إلى مجمع حوش بلاس الذي فيه نحو ٢٠٠٠ محل وفيه كل المهن والحِرَف المطلوبة، وهذا الإجراء لا يتم إلا بإجراء رسمي وحاسم من قِبل المحافظة.

ضعاف نفوس

 

«جهينة» التقت عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق سمير جزائرلي الذي حدّثنا بكل شفافية عن تغاضي بعض ضعاف النفوس في المحافظة عن مخالفة كلّ من يشغل الأرصفة من الحرفيين بقوله: بالتأكيد هناك ضعاف نفوس ولا يمكننا التعميم، ومن يقوم بقمع المخالفات هو شرطة المحافظة، كما أن موضوع البسطات المخالفة وإشغالات صيانة السيارات في البرامكة وشارع خالد بن الوليد هو موضوع شائك.

وأضاف جزائرلي: نتمنى تفعيل ثقافة الشكوى لدى المواطنين حيث تكون هذه الإشغالات في مناطق وأزقة مخالفة وبالتالي تتم مصادرتها فوراً، وبالنسبة للمحال الموجودة ضمن مركز المدينة وتمارس مهنة إصلاح السيارات فهي مخالفة من حيث المهنة وغير خاضعة للترخيص الإداري، إذ يتم إنذارها تمهيداً للختم ولا يتم فضه إلا بعد موافقة الكاتب بالعدل والتحول إلى مهنة أخرى.

ورشة مركزية

 

وبشأن بعض الحالات التي تقوم بها دوريات المحافظة بالتغاضي عن عدد من الورشات، قال جزائرلي: لا يمكننا التعميم حيث إنها ليست ظاهرة عامة، ونحن الآن بناء على توجيهات السيد المحافظ في طور تشكيل ورشة مركزية لمعالجة الإشغالات وستكون هذه الورشة قائمة بحدّ ذاتها بعناصرها، وستكون هناك تقسيمات للمناطق تتوافق مع تقسيمات الدوائر الخدمية ومع المكتب التنفيذي الذي سيكون مسؤولاً عن مكاتب خدمات المنطقة ومخالفاتها، فلدينا الكثير من المخالفات، مضيفاً: إذا كانت هناك حالات فساد فلماذا لا يتمّ الإبلاغ عنها مباشرة وذلك لغياب ثقافة الشكوى لدى المواطن، حيث سيُعاقب الراشي والمرتشي، ولكن المستغرب أن المواطن لا يقدم أي شكوى فيما يتعلق بهذا الموضوع، وعند تفعيل ثقافة الشكوى سيُحاسب الجميع من دون استثناء، وتابع جزائرلي: كأعضاء مكتب تنفيذي نعمل منذ فترة على معالجة شكاوى السكان، وقد ذهبنا إلى مناطق عدة، ووجدنا أنه إذا لم نقم بتأمين البدائل لهذه الإشغالات فستصبح هناك مشكلة كبيرة، (اليوم) هناك ما بين 12 و14 منطقة بديلة ويلتزم صاحب الإشغال في هذه المنطقة ضمن رسم معين، وعند تأمين البدائل ستبدأ الورشات بإزالة التجاوزات التي لن نتهاون فيها.

لجان لقمع المخالفات

 

وعن المناطق التي تستثمرها المحافظة بخصوص الصناعيين والحرفيين، قال جزائرلي: بالتأكيد ستُعالج هذه الإشكاليات من خلال قرارات وإجراءات عدة، وستتم المحاسبة وخاصة في ظل ما خلفته  الحرب من تداعيات كبيرة، ونحن نعمل في منطقة دير علي لنقل هذه الإشغالات حيث لدينا أراض فيها بمساحة 100 هكتار، وكل منطقة فيها دائرة خدمات مسؤولة عنها وبالتالي هي مكلّفة بقمع هذه الظواهر ضمن مناطقها، مبيّناً أن العقوبات التي يتم فرضها في هذه الحالات: مُصادرة العدّة ومستلزمات الصيانة وهذا بموجب القانون، وهناك عقاب واحد يمكن فرضه وهو الحبس التقديري من أسبوع إلى 10 أيام ولكنه يتطلب وجود ضابطة عدلية ويتم تنظيم ضبط ويحال المخالف للقضاء، مع الاستعانة بشرطة المحافظة لقمع المخالفة.

بين محافظة دمشق والحرفيين

 

اكتظاظ شوارع وأرصفة دمشق بورشات إصلاح السيارات التي  شكلت ضغطاً كبيراً على المدينة وحولت أرصفتها إلى محال وورشات فردية لإصلاح الآليات وأصبحت مصدر قلق للأهالي والقاطنين من خلال الضجيج والتلوث البيئي السمعي والبصري وانتشار بقع الزيوت والشحوم المعدنية والأوساخ فوق أرصفتها وشوارعها كل ذلك شكّل ظاهرة مزعجة وخطيرة، ولكن حسب استطلاعنا لبعض آراء الحرفيين لاحظنا وجود هوة كبيرة بين محافظة دمشق والحرفيين من خلال تجاهل المحافظة للدور الأساسي لها بتنظيم مهنتهم وأماكن عملهم، وغياب المتطلبات الأساسية للعمل، وانتفاء العدالة في توزيع الأماكن المخصّصة في الساحات، وتحميل الحرفيين المهجّرين من مجمّع القدم الصناعي أكثر من طاقتهم لمكان شبه مدمّر منذ سنوات خلت، فهل سنرى بعد ذلك أن المحافظة تبحث عن حلولٍ أكثر جدوى لمساعدة هؤلاء الحرفيين إذا ما عادوا إلى حوش بلاس، وتعمل بتشاركية مع الحرفيين، أم إنها ستبقى تُمعن النظر من منظورها الخاص، هو سؤال يطرح نفسه، والحرفيون بانتظار الجواب!.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock