آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

«درب السما»..جنون الحرب في مواجهة جنون الحُب

 

جهينة- نور الدين النجار:

يأتي فيلم «درب السما» الذي عُرض مؤخراً في سينما سيتي بدمشق، وهو من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، استمراراً لنهج المخرج جود سعيد بمناقشة منعكسات الأزمة في سورية على المجتمع، وقد سبق له بأفلامه أن تعرّض للأزمة من أوجهٍ مختلفةٍ، وهو بهذا الفيلم يتعرض لقضية خطورة الأزمة على الهوية السورية والتنوع المجتمعي السوري، وكيف حوّل الجهل وموجة الكره حالة التلون المجتمعي السوري إلى لعنةٍ على الوطن مع ظهور موجة التصنيف على أساس الانتماء المناطقي والطائفي التي حوّلت الشخصيات إلى غرباء في أوطانهم وبيوتهم، واستعرض تعدّد أشكال وصور وتسميات الإرهاب وضربه مختلف المناطق السورية.

العلاقة بالمكان

يتحدث الفيلم عن علاقة الأشخاص بالمكان بمختلف أشكاله، سواء أكان بيتاً أم حارة أم قرية أو وطناً بأكمله، ويطرح معضلة وتساؤلاً: (ما الوطن؟) هل هو المكان الذي ننتمي إليه باسم العائلة؟ أم المكان الذي ننتمي إليه بالذاكرة؟ أم الذي نشكله بالعلاقات مع الأشخاص الذين نتفاعل معهم؟ أم هو الذي نشعر به بالأمان والحياة بعيداً عن طوفان الموت والخوف الذي يطاردنا؟ أم الوطن كلمة أكبر من هذا كله تحوي كل تلك المسميات، ربما هو الذاكرة الجميلة والحلم المشروع بمستقبل وردي في مساحة للحُب والغناء والفرح بعيداً عن صوت الموت والجهل والكره.
يصوّر «درب السما» حالة جنون الجهل والكره التي اجتاحت بعض المناطق وحولت فئات معينة كانوا في ما مضى أصدقاء إلى أعداء يصرّون على لفظ كل من يختلف عنهم باسم العائلة أو الأصل والانتماء إلى الخارج، ويُرينا أزمة حقيقية تعيشها الشخصيات التي وجدت نفسها في يوم وليلة غرباء عن المكان الذي كبروا وعاشوا فيه طوال عمرهم، المكان لا يريدهم لذلك يفرض عليهم البحث عن مكان جديد وتشكيل وطن جديد ينتمون إليه، سواء كان ذلك بخوض مغامرة موت مع البحر أو العودة إلى البدايات والأصل ومواجهة الماضي بكل ما يحمله من جراح قديمة تناستها الشخصيات وقامت الأزمة بفتحها مجدداً. وصراع الشخصيات لا ينتهي هنا، البيت الجديد– القديم ليس جنة هو الآخر، الشياطين التي هربت منها الشخصيات الرئيسية موجودة في كل مكان وبتسميات وانتماءات مختلفة، ولكن لها اللون الأسود نفسه والأطماع نفسها بنهب المكان والذاكرة والفرح والتعايش.

سجون ومدارس

جود سعيد يفتتح فيلمه بطريقة مثيرة تنبئ بالهوية والشكل التي سيسير عليها أسلوب السرد، ينتقل بين الريف والمدينة، القطع الأول في مرحلة المدينة كان لدخول شخصية أيمن زيدان إلى سجن صنعه الإرهابيون من ركام السيارات في مدينة استباحها الإرهاب، القطع بهذه الطريقة يتكرر مجدداً في مرحلة الريف مع دخول شخصية أيمن زيدان إلى السجن في قرية استباحها الفساد وتجار الحرب، يبدو هنا واضحاً ما يقوله جود سعيد عن كون الإرهاب والفساد هما وجهان لعملة واضحة وهذا هو شكل الوطن الذي يريدونه، سجن كبير يُرمى به الشريف بتهمة انتمائه لموقف شريف، التهمة الأولى هي أن يكون ضامناً لعودة ابنته التي ذهبت مع زوجها لإجراء عملية زرع قرنية لعينه، والتهمة الثانية هي إيواؤه فتاة مراهقة ومساعدتها لإكمال دراستها بعد أن حرمها الإرهاب من ذلك. وتستمر المقارنة هنا مع جزئية العلم والدراسة، في مناطق الإرهاب تعطلت الدراسة، وفي مناطق الفساد تحولت المدارس إلى ملاجئ، وفي كلتا المنطقتين العاقلان الوحيدان هما معلمان يحاولان منفردين الوقوف بوجه هجمة الجهل المجتمعي التي يركبها دائماً أرباب الإرهاب أو أرباب الفساد، ويقودون الجمهور قيادة القطيع لتحقيق مصالحهم الخاصة تحت مسميات وشعارات فضفاضة ورنانة.
هو موسم جنون اجتاح المجتمع، هذه هي ملخص رؤية جود سعيد للحدث السوري، دائماً في أفلامه يبتعد عن التحليل والتنظير السياسي والتعقيد ويذهب إلى تبسيط الأمور، هذه لوثة جنون من الكره اجتاحت البلاد تواجهها الشخصيات بجنون حب الحياة والإصرار على استمراريتها والتمسك بالمكان والغناء على أمل أن يعلو صوت الموسيقا على صوت الرصاص.

معارك وانتصارات

لم يعرض جود سعيد في فيلمه هذا معارك واشتباكات، رغم أن أكثر أحداث الفيلم تدور في منطقة ساخنة، المواجهات كانت على خلفية الحدث وصلنا منها فقط صوت الرصاص وارتدادات الانفجارات، حيث ركز المخرج على معارك وجنود بطبيعة مختلفة وعلى انتصارات بمذاق آخر، خلف خط النار كانت هناك معركة أصعب، جيش من العقلاء والضحايا من مختلف الانتماءات بمواجهة جيش من المجانين -إرهابيين وفاسدين- معركة العقل ضد الجهل والذاكرة ضد النسيان، معركة لتذكير الآخرين بحقيقة هويتهم وانتمائهم وإزالة الغشاوة عن عيونهم ورؤية ما يجمعنا لا ما يفرقنا، إزالة الأسود لرؤية الحياة بالألوان، وككل حرب هناك معارك انتصروا فيها ومعارك خسروها.
يبدأ جود سعيد فيلمه بالتحضير لحفل زفاف ويختمه بحفل زفاف وكلا الحفلين يقطعهما صوت الرصاص ليكون معركة الحياة بوجه الموت، الحُب بوجه الكره، الفرح بوجه العزاء، المعركة تتفرع إلى معارك صغيرة وفردية، كل شخصية لها معركتها الخاصة، معركة عروس لإكمال زفافها، معركة رجل للحفاظ على وجوده في المكان الذي شهد أجمل أيام حياته، معركة زوجة لعلاج زوجها، معركة فتاة لتكون مع حبيبها، معركة أب لتكمل ابنته تعليمها، ما الذي يجعل تلك الشخصيات تستمر بكفاحها في هذه الحرب المرهقة؟ الجواب بلذّة الانتصارات الصغيرة التي تحققها، مشهد حصول إحدى الشخصيات على قدم اصطناعية تبدو لحظة نصرٍ للجميع، حيث كثف الفيلم الحالة الشعورية فيها لتبدو نصراً كبيراً في موسم الخيبات ومهمة جداً لضخ الدم في عروق الشخصيات وتستعيد نشاطها لتتابع معركتها.

استرجاع الحدث

تنقل العمل بأحداثه بين الريف والمدينة، المخرج جود سعيد كسر أسلوب السرد التقليدي معتمداً على تقنية استرجاع الحدث (Flash-back) لتتداخل الأحداث بين زمانين ومكانين مختلفين خالقاً جواً من التشويق على الحبكة وجذب المشاهد وإجباره على التركيز لالتقاط عُقد الربط بين المحورين ليقارن ويبحث عن المتشابه في بلد يتعرض للهجوم من عدة جبهات، هذا لم يمنع وجود شيء من الضعف أحياناً، فكان قسم المدينة أكثر تماسكاً من قسم الريف، ربما لأن أحداثه مختصرة بعدة أيام وشخصياته محدودة أكثر، بينما قسم الريف أحداثه متسعة وشخصياته أكثر وعلاقاتها أكثر تعقيداً، حاول فيها تكثيف تلك الفترة لتمشي على التوازي مع مرحلة المدينة، الأمر الذي سبّب نوعاً من القفزات البسيطة، ولم تنل بعض الشخصيات والعلاقات فرصتها لتأخذ مساحتها المستحقة أو تصل إلى النضوج الكافي الذي تحتاجه. بالمقابل عالج تلك الأزمة بطريقة بصرية ممتازة معتادة منه، لحظات قطع المونتاج بين الزمنين كانت بموقعها الصحيح ومفيدة لتقودنا نحو المقارنة، التصوير على مستوى عال جداً يقدم مشهداً من لقطة واحدة ((one Shot طويلاً وصعباً جداً ومنهكاً وبغاية الحرفية، يجعله مع المشاهد التصويرية الأخرى البديعة للطبيعة الريفية لوحةً بصريةً تمتع عين المشاهد، يمزجه جود سعيد مع إخراج فني عالي المستوى، هو كعادته يولي المكان أهمية كبيرة بأعماله ويجعله بطلاً إضافياً، سواء مشاهد المدينة أو الريف، يعرف كيف يجعلها على مرتبة جمالية واحدة رغم حياة الطبيعة وصمت الإسمنت، حتى الخراب كان المخرج قادراً على إعطائه لمسةً جماليةً لا تخطئها العين.

كوميديا سوداء

الأهم من هذا كله هو لمسة الكوميديا السوداء التي يطفيها جود سعيد على عالم مملوء بالموت والقسوة والوحشية، هو شخص يعرّف نفسه «بأنه مغرم بالحياة والفرح» لا يستطيع إخفاء طبعه حتى وهو يروي قصصاً مأساوية، لذلك ففي كل أعماله كوميديا سوداء ذكية تنجح بكسر الجو السوداوي وجعل الفيلم خفيفاً على الجمهور ولا ينفر منه، الكوميديا السوداء في أعمال جود سعيد تحوّل الأمور إلى نوع من «فانتازيا» الواقع، وكأن ما يجري يحدث في كون موازٍ لعالمنا، يصنع ذلك بنكتةٍ خفيفةٍ بالحوار وبرسم شخصيات بملامح كاريكاتيرية غرائبية من دون تهريج.
الفيلم قام ببطولته أيمن زيدان وقدّم ما هو متوقع من أحد قامات التمثيل في الوطن العربي، ومعه صفاء سلطان وجابر جوخدار بأداء تمثيلي جسدي صعب جداً، ومحمد الأحمد بأداء يتحدى به نفسه مجدداً، وحسين عباس بأداء ممتاز.

درب السما

حاز «درب السما» ثلاث جوائز في مهرجان الإسكندرية السينمائي في دورته الأخيرة: (جائزة أفضل فيلم وأفضل ممثل لأيمن زيدان في مسابقة نور الشريف للفيلم العربي الطويل وجائزة أفضل سيناريو وأهدى المخرج جود سعيد الجوائز والفيلم إلى روح مدير التصوير عقبة عز الدين الذي توفي قبل عرض الفيلم).

 

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock