إصدارات جهينةثقافة وفنون

فواز ناظم: حداثةٌ معجونةٌ بالتراث

 

جهينة- د. محمود شاهين

تزخرُ الحيوات التشكيليّة العربيّة والعالميّة بعددٍ من الفنانين السوريين الذين أثبتوا حضوراً لافتاً في حقولها المختلفة، وتتواصل بعض تجارب هؤلاء مع الوطن بشكل دائم عبر المعارض الفرديّة أو الجماعيّة أو عبر وسائل الإعلام المُشاهدة والمقروءة، حيث يشتغل بعضهم فيها مديرين فنيين أو مُخرجين أو رسامي «موتيفات» وكاريكاتير ومُصمّمي أغلفة «خاصةً في دول الخليج العربي» الأمر الذي جعل لهم في بُنيتها البصريّة بصمةً خاصةً، ومن هؤلاء فواز ناظم المدير الفني الحالي لمجلة «الإمارات الثقافيّة» والذي رافق انطلاقتها قبل نحو ثماني سنوات، واشتغل على تطوير هيكليتها البصريّة من عددٍ إلى آخر، ما جعلها متفرّدة الشكل مقارنةً بغيرها من الدوريات الثقافيّة العربيّة، وهو إنجازٌ اجتهد الفنان ناظم لتحقيقه، معتمداً على موهبته التي صقلتها وأنضجتها دراسته في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وراكَمَها عمله الدؤوب في مجال الرسم والتصميم الغرافيكي في عدد من الصحف والمجلات السوريّة والعربيّة قبل أن يستقر بشكل دائم في مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام بمدينة أبو ظبي.

 صيغة فنيّة جديدة

يمارس الفنان فواز ناظم، رسم «الموتيفات» بالأبيض والأسود والألوان، ورسوم الأطفال والوجوه بصيغة كاريكاتيريّة متميزة، مدفوعاً بهاجس فني تشكيلي تملّكه أثناء قيامه بإنجاز مشروع تخرّجه في قسم الاتصالات البصريّة بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، الذي كرّسه لحكايات من التراث العربي، وهو العمل على إيجاد صيغة فنيّة جديدة تستلهم القيم والخصائص التشكيليّة للفن العربي الإسلامي، لاسيّما فن «المنمنمات» الذي تفرّد بجملةٍ من المقوّمات والخصائص الفنية الرفيعة منها: غياب البعد الثالث «المنظور» منه، واعتماد اللون الطلس «غير المتدرج»، وإبراز الشخصيات المهمّة في اللوحة بجعلها أكبر حجماً من غيرها، والتنويع بطرز تكويناتها الفنيّة «هرميّة، لولبيّة، تياريّه، مفتوحة ومغلقة»، حيث أخذ الفنان ناظم هذه الخصائص واشتغل عليها برؤيةٍ معاصرةٍ حافظت على القيم التشكيليّة للفن العربي الإسلامي والمفاهيم الفنيّة الأوروبيّة، كتدريج المساحة اللونيّة، والإيهام الخفيف بالمنظور، والتأكيد على الشخصيّة المحوريّة في اللوحة «الخليفة، البطل، الأمير، الملك»، مازجاً بذلك بين قيم التصوير الشرقي «العربي الإسلامي» وقيم التصوير الغربي الكلاسيكي، مع نزوعٍ واضحٍ نحو الاختزال والتلخيص، لاسيّما في مفردات الوجه الإنساني «الفم والأنف والعين».

وبعد مشروع تخرّجه في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، تابع الفنان ناظم الاشتغال على هذه الصيغة الفنيّة الأسلوبيّة، خاصةً في رسومه الموجّهة للأطفال التي قام بوضع نصّها ورسَمَها بنفسه، مستلهماً شخصياتها من المحيط الأقرب إليه «أسرته الكبيرة والصغيرة»، معتمداً في ذلك على انطباعاته وما تحمله ذاكرته ووجدانه من وقائع حدثت معه، حيث قام بالبناء عليها ومعالجتها وفق مفهوم الحكاية الموجّهة للأطفال والمُفعمة بالحكمة والتسلية والتشويق، إذ يؤكد الفنان ناظم على ضرورة امتلاك رسامي قصص الأطفال الموهبة الفنيّة الحقيقيّة، وسعة الخيال، والمقدرة على تجسيد هذا الخيال في رسوم واضحة ومقروءة، لأن الطفل حديث العهد بالحياة، وخياله يسبقه في تلقّيها، لهذا تبدو عملية الرسم للأطفال صعبةً، خاصةً إذا علمنا أنّ من أبرز المهام المنوطة بها توسيع خيالاتهم، وفتح أبواب الاحتمالات في أذهانهم، ودفعهم نحو المزيد من التأمل، لذلك يجب أن تكون الرسوم الموجّهة لهم مثيرةً بحيث يتلقونها بشغفٍ كبيرٍ، ولتحقيق ذلك لابدّ للمشتغل عليها -إلى جانب امتلاكه للموهبة الفنيّة الحقيقيّة- من التفرّغ كلياً لها، لأن التفرّغ يُعطيه الخبرة، ويساعده على الإبداع.. وحسب الفنان ناظم لا يوجد في العالم العربي فنانون متفرغون لرسوم الأطفال، الأمر الذي دفع غالبيتهم إلى هجرة هذا الفن الجميل والمُهم، ويسوق جملةً من الأسباب لغياب وتردّي وضع المؤسسات العربيّة المعنية بثقافة الطفل منها: الظروف الصعبة للإنتاج والنشر، وقناعات القيمين عليها بأنها غير مُربحة، بينما هي في الواقع مربحة جداً على المدى البعيد، بدليل أنهم باتوا يستوردون الإنتاج الغربي من هذه الثقافة بدل أن يكونوا مصدّرين لها، ناهيك عن دورها بتنشئة الأطفال وتربيتهم وزرع قيم الثقافة العربيّة الأصيلة فيهم، والتي هي وحدها القادرة على تحصينهم تجاه الغزو الثقافي الخارجي لبلدانهم.

الرسوم التوضيحيّة والإخراج الصحفي

عملية الجمع بين القيم الفنيّة الأوروبيّة والعربيّة الإسلاميّة في العمل الفني المعاصر، مشروعٌ داعبَ فكر الفنان ناظم ومخيلته، وسكنَ تطلعاته، وأخذ طريقه إلى عدد من رسومه منذ كان طالباً في محترفات كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، والذي حقق (اليوم) جانباً منه، وما زال يأمل ويعمل على استكماله، لاسيّما في حقول الاتصالات البصريّة كالإخراج الصحفي ورسوم الأطفال والرسوم التوضيحيّة وتصميم الملصقات والإشارات الدلاليّة «اللوغو»، إذ إن الصور الضوئيّة والرسوم التوضيحيّة -حسب الفنان ناظم- من العناصر المهمّة في الإخراج الفني، بشرط أن تأخذ مكانها المناسب في بُنية المادة الصحفيّة، لأنها تُؤدي هنا أكثر من مهمة أو وظيفة منها: المساهمة في توضيح النص وعرض فكرته وأحياناً إكمالها، كما تقوم بتحريض المتلقي على قراءتها عندما يُسبغ المخرج عليها سمةً جماليّةً مثيرةً للبصر والبصيرة في آنٍ معاً.. وما يلفت الانتباه في إنجازاته الفنيّة هو أنها بقدر ما تحمل من عفويّة وصدق وتلقائيّة، تحمل في الوقت نفسه الكثير من التنظيم والعمق والحداثة، وهي إنجازات يمكن تصنيفها في فئتين اثنتين: الفئة الأولى تشمل الأعمال المُنفذة يدوياً بقلم الرصاص أو قلم الحبر الناشف أو بالألوان. والفئة الثانية تشمل الأعمال المُنفذة بوساطة الحاسوب.

أعمال الفئة الأولى

هي كثيرة، أنجز غالبيتها بالأبيض والأسود على قصاصات من الورق خلال المراحل الأولى لتجربته الفنيّة، وذلك كـ«موتيفات» لقصائد وقصص قصيرة أو لتجزئة أوقات الفراغ، وحملت هذه الأعمال رؤيةً واقعيّةً مشوبةً بتوجّه تعبيري سوريالي، سعى من ورائها لالتقاط الفكرة والتعبير عنها بصيغة ميتافيزيقيّة تُذكرنا برسوم الفنانين التشكيليين العالميين الكبار الذين حاولوا من خلالها عكس هواجس وإرهاصات وقلق إنسان عصرهم. بمعنى آخر حاول الفنان ناظم في رسومه التوضيحيّة التقاط مضمون المادة الصحفيّة وعكسه في هذه الرسوم، ما حوّلها إلى نصٍّ بصري لا يقلُّ قيمةً فنيةً وتعبيريّةً عن النص السردي المرافق له، وقد نشر الفنان ناظم غالبية هذا الإنتاج في صحيفة «البعث» الدمشقيّة التي أعادت نشرها مرات عديدة وفاءً لصاحبها الذي عمل فيها لفترة، وتأكيداً على أهميتها وقيمتها الإبداعيّة التشكيليّة والتعبيريّة الرفيعة المتواكبة والمنسجمة والعاكسة لمضمون القصيدة أو الخاطرة أو القصة القصيرة المنشورة إلى جانبها، وهي إما رسومٌ واقعيّةٌ رصينةٌ، مستوعبةٌ للنسب التشريحيّة الصحيحة، لكنها ليست تسجيليّة باردة وإنما ثرّة التعبير، رهيفة الخطوط، عذبة الملامح، تضجُّ بالحياة، وإما واقعيّة مختزلة وبعضها تعبيري سوريالي، حيث لجأ الفنان ناظم فيها إلى التلاعب بنسب عناصرها وتموضُّع مفرداتها «عين، أنف، فم».. ومن أجل تعميق دلالات هذه الرسوم أجرى عليها قطوعات مدروسة، ربط فيها بين الهيكليّة الإنسانيّة وعنصر من الطبيعة «قمر، نجمة، نبات، حرف» أو بينها وبين رمز مُستلهم من التراث أو زخرفة وفق الحالة المُراد التعبير عنها، والتي ليس بإمكان الهيكليّة الإنسانيّة عكسها بمفردها.

أعمال الفئة الثانية

تتوزع أعمال هذه الفئة على الرسوم الملونة التي يمكن إدراجها ضمن مفهوم الرسوم التوضيحيّة «الموتيفات» أو رسوم الأطفال أو الوجوه أو تصميم الشعارات «اللوغو أو التصاميم الغرافيكيّة الخاصة بإخراج المجلات والكتب، وهو المجال المتفرغ له حالياً، وتتكرر هنا الخصائص الفنيّة والتعبيريّة نفسها التي حملتها أعمال الفئة الأولى، لاسيّما المنضوية ضمن فئة الرسوم التوضيحيّة «الموتيفات» ورسوم الأطفال، التي حافظ فيها على الاتجاه الواقعي المختزل والبسيط. أما في مجال تصميم الملصقات والشعارات «اللوغو» والإخراج الفني للمجلات فقد حقق فيه الفنان ناظم إضافاتٍ مهمةً ولافتةً بعد أن أتقن التعامل مع وسائط الاتصالات البصريّة الحديثة، خاصةً الحاسوب ببرامجه التصميميّة المختلفة، والقدرات الهائلة الكامنة فيها، والتي تحتاج لكي تتجلى في مُنتَج فني بصري ملموس إلى عناق الموهبة الفنيّة الحقيقيّة، المطوّرة والمصقولة بالدراسة الأكاديميّة، بالخبرات التقانيّة المكتسبة بفعل الممارسة الفعلية والمتواصلة للعمل الفني، سواء اليدويّة المستندة إلى مقدرات الفنان الذاتيّة أو مقدرات الحاسوب التي تلزمها هي الأخرى مرحلةٌ طويلةٌ من التدريب والاطلاع والبحث والتجريب لكي تنقاد لمستخدمها، وهو ما تمكّن منه الفنان ناظم بعد عمله الطويل في مؤسسات فنيّة محليّة وعربيّة كبرى، وهو يرى أن الحاسوب طوّر فن إخراج الصحف والمجلات، وساعد المخرج الفني على النجاح في عمله، لكنه بالمقابل غطّى على الإمكانات المتواضعة لأنصاف الفنانين العاملين في هذا الحقل.

مدارس واتجاهات

رغم تعدّد الوسائط البصريّة التي يستعملها الفنان ناظم في إخراج صفحات المجلة، إلا أنه يُخضعها جميعها لحالةٍ عاليةٍ من التوافق والانسجام، بحيث تتواكب قدرات اليد الإبداعيّة مع قدرات الحاسوب، والمعطيات العلميّة المدروسة مع العفويّة العذبة، والصيغة الهندسيّة الصارمة مع الرسم الحُر، وهي عملية معقّدة وصعبة لا يتقنها إلا فنان جمَعَ بين موهبة طبيعيّة صقلتها الدراسة الأكاديميّة، وخبرات تقانيّه ومعرفيّة اكتسبها بالاطلاع والممارسة، إذ إن الإخراج الفني عند فواز ناظم هو عملية محسوبة بدقةٍ نصاً وصورةً وخطاً ورسماً وشعاراً، وهذه العناصر مجتمعةً يُخضعها للمسته الفنيّة الخاصة ما يجعلها تعيش حالةً عاليةً من التوافق والانسجام، وفي الوقت نفسها يُضمّنها قوة جذب بصري قادرة على اصطياد عين المتلقي ومن ثم دفعها للاطلاع على مضمون المادة المكتوبة.. فالصفحة في المجلة أو في الكتاب لوحةٌ فنيّةٌ متكاملة العناصر، لوحةٌ منسجمةٌ رغم احتوائها على عناصر متباينة الدرجات والإيقاعات منها الهندسي المرسوم بدقة عالية «نصٌّ منضد، صورة ضوئيّة، عنوان رئيسي، عناوين فرعيّة» ومنها المساحة اللونيّة المتروكة بعفويّة متناهية، كأنها لمسة فرشاة ولهى وسعيدة بالألوان التي تغرفُ منها، فتتركها فوق السطح الأبيض بتلقائيّةٍ خاليةٍ من أيّ حسٍّ ميكانيكي.. يضاف إلى ذلك لجوء الفنان ناظم إلى استخدام شرائط مُؤلفة من الكلمات تحيط بالصفحة من عدة جوانب، لا يقصد منها عرض جوانب من مضمون المادة، وإنما تقديم حالة بصريّة جمالية مجردة تُغني الإيقاع البصري العام للصفحة وتزيد من جماله، وقد استلهم الفنان ناظم هذه الصيغة الإخراجيّة من روح الفن العربي الإسلامي الذي قام في جانب منه على القيم المجرّدة للعناصر والمفردات البصريّة وقيم الخط العربي الشكليّة والتعبيريّة، يدفعه إلى ذلك قناعته بأنّ الفن هو عملية بحثٍ دائمٍ عن الجمَال بكل درجاته. أما مدارس الفن وأساليبه التي تشدّه إليها فهي تلك المُطعّمة بنكهات محلية، والمتفاعلة مع حركة الحياة «تأثيراً وتأثراً»، وبفضل هذا التفاعل الذي يُحدثه الفنان أصبحت الحياة لوحةً فنيّةً متحركةً تكتسي كل يوم حُللاً جديدة، مُبهرة ومُمتعة، يطربُ لها بصر الإنسان، وتركنُ إليها بصيرته الباحثة دائماً عن مبررات دائمة للحياة وحُبّ الحياة.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock