آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

من التجربة الشخصية إلى الوعي المجتمعي د. ريتا عساف..حلمٌ طفولي تحوّل إلى واقع بحثي مشرّف

 

جهينة- أحمد علي هلال:

رحلة بحث مكثفة ومترعة بالطموح، ستفتح في الأفق أبحاثاً علميةً وتخصصيةً، ليس على مستوى الدراسات الجامعية الطبية في المجال الدوائي فحسب، بل على مستوى فتح الآفاق لأبحاث جديدة سيكون تأثيرها واسع الطيف مجتمعياً وإنسانياً.. ورغم ظروف الحرب التي شُنت على سورية، مازالت أجيال من الطالبات السوريات اللواتي حملن شرف البحث العلمي تنكّباً في مسارات أكثر الأمراض خطورةً وشيوعاً، وسهرن طويلاً بشغفٍ متواترٍ لإنجاز علامة فارقة في مسيرة أكثر الأمراض توجّساً وقلقاً في المجتمع، وبما له من آثار مجتمعية، ستحيلنا إلى ما يمكن تسميته بالتغذية الراجعة للوعي واستثارته، ولاسيما الوعي الجمعي والفردي الذي وقف على مسافة –من تلك الأمراض– سواء أكان ذلك جهلاً أم خوفاً، إذ إن ذلك ما كان يمثل لوقتٍ قريبٍ المسكوت عنه في المجتمع على مستوى ردود الفعل من أمراض بعينها مازالت تشكل قلقاً وخوفاً شائعاً منها.

الأمل الكبير

وهي تقف مع فريق عملها أمام أساتذتها على مدرج الجامعة العربية الدولية بدمشق، لتناقش أطروحة تطوير العلاج بمرض سرطان الدماغ، كانت تجتاز عتبة الألم ورحلة علاج لعزيزتها «والدتها» التي تخطّت معها كل مراحل العلاج، حينما أصرّت على إكمال علاج والدتها رغم تحذيرها من مضاعفات العمل الجراحي.. إصرار وتحدٍّ حملا تلك الفتاة على أن تتحدى ذلك الواقع سعياً لتكريس الأمل وجعله صورة طليقة، الأمر الذي جعلها تذهب للتخصص وهي طالبة جامعية بذلك النوع من السرطانات «سرطان الدماغ» أملاً بتغيير النظرة إليه، وأكثر من ذلك توقاً للدخول إلى الدواء الناجع الذي ينهي الألم بل يخففه. كان الفقد حافزاً قوياً دفع تلك الطالبة لارتياد آفاق البحث العلمي والرغبة بالتخصص في إنجاز بحث علمي مشرف، من شأنه أن يغير الطريقة في العلاج ويمنح الأمل للمرضى بأن إمكانية العلاج ممكنة.. إنها الطالبة د. ريتا عساف التي وقفت مختزلة رحلة حلمها ومن ألمها الشخصي إلى ألمها الإنساني، جنباً إلى جنب مع فريق عملها المكون من الطالبتين «ميري العقلة، وحلا سليمان» وبإشراف الدكتورة بيسان أحمد المتخصصة بعلم الأورام وعلاجها وأستاذة الباثولوجيا والأنسجة والسرطان في قسم علم الأدوية في الجامعة العربية الدولية بدمشق، فكانت د.ريتا قوة المثال لتجربة بحث علمي سيترك تأثيره المستقبلي على المستويين الطبي والإنساني.

العلاج المناعي

وتؤكد د. بيسان على تلك التجربة بأنها ستفتح آفاقاً لنموذج العلاج المناعي، وأنه تم توجيه البحث لاختيار الأنواع الأكثر شراسة للعلاج من أجل تغيير النظرة إلى العلاج القديم الذي كان يعطي نتائج سلبية أملاً بتخفيف نتائجه وإعطاء الأمل للمرضى بالشفاء. وتلفت د. بيسان إلى أن أحد مرضاها أخذ علاجاً وشُفي تماماً بفضل جهود عائلته (عائلة الشاعر عبد الكريم الناعم)، وباختيار البحث لطالباتها تضاعف الرهان على تجربة مختلفة من شأنها أن تفتح آفاقاً جديدة في الطرق العلاجية الناجعة.

استراتيجية جديدة

من جهتها تقول د. ريتا عساف: أحببنا الفكرة وعلمنا من د. بيسان أن ثمة أدوية متطورة كثيرة في السوق ستعطي نتائج جيدة لهذه الأنواع من الأمراض، فكان الاتفاق مع د. حلا سليمان ود. ميري العقلة على الشروع بالبحث والتواصل مع المؤسسات الجامعية المختصة عالمياً لمتابعة تطورات العلاج، وقد اخترنا بداية عدة أنواع، وأخذنا في الاعتبار آلية تشكّل هذه الأنواع من الأمراض، وما هي العلاجات التقليدية الشائعة والتي لمسنا آثارها السلبية ليس على المريض فحسب، بل على المجتمع، وتناولت كل طالبة نوعاً واحداً من السرطان إلى أن اكتمل بحثنا في معاينة سرطانات الأطفال والبالغين، وجوهر مشروعنا هو الآلية التي تقوم على مهاجمة المرض خلال تشكله، أي بإعطاء جرعات قليلة وبفترات متباعدة تخفيفاً للآثار المؤلمة للعلاج، التي يعاني منها المرضى وتسبب مشكلات إضافية للمريض.

تجربة مؤسسة «بسمة»

مثلت مؤسسة بسمة، التي تُعنى بعلاج سرطانات الأطفال، أنموذجاً مثالياً لتواصل الفريق والمشاركة ووضع الخبرات المشتركة في سياق الأبحاث، وتم التواصل معها عن طريق وحدتها العلاجية في مشفى البيروني بدمشق، وكان اللقاء مع بعض الأطفال المرضى في سياق أحد برامج المركز الثقافي العربي بدمشق، وكل ذلك -تضيف د. ريتا- جاء انسجاماً مع الدافع النبيل والإحساس الجماعي بالخلاص من الألم.
كسر الخوف..
تتابع د. ريتا: كان مشروع تخرجنا ينطوي على جزأين عملي ونظري، وهو يستهدف المجتمع بأسره من خلال حملات التوعية بمخاطر هذا المرض وضرورة التنبه المجتمعي لأعراضه، إذ إن طموحنا كان كسر الخوف، وهذا ما لمسناه حينما عرضنا فيلماً صامتاً عن أولئك الذين تماثلوا للشفاء تماماً ومعظمهم شخصيات عالمية وقيادية، كان الفيلم هو خلفية فقط، لكننا آثرنا أن ندخل بالشرح والتبسيط والتفصيل حتى تصل فكرتنا إلى المجتمع، فكانت ردود الفعل من أهالي المرضى إيجابية من خلال النماذج التي قُدمت للعلاج المناعي. بينما تؤكد د. حلا سليمان على ضرورة الثقافة المجتمعية الجديدة بخصوص هذه الأمراض، من أجل أن يكون بحثنا رسالة للأشخاص الذين لا يملكون وعياً طبياً كافياً، انطلاقاً من اعتبارات علمية ونفسية واجتماعية، وهذا ما لمسناه من تعاون خلّاق مع مؤسسة بسمة وأهمية التواصل الاجتماعي مع ذوي المرضى ولاسيما الأم، أي بتأهيل أسرة المريض قبل المريض، وهذا ما لمسنا نتائجه الجيدة والتي ستتراكم وعياً مجتمعياً مختلفاً حتى يغدو هذا المرض كأي مرضٍ شائعٍ، ويصبح الإحساس بإمكانية الشفاء منه حقيقياً إلى حدٍّ كبير.

مأثرة في زمن الحرب

ما يذهب إليه فريق البحث في سياقه العلمي، أكثر من ضرورة معرفية تشكل للمجتمع السوري، الذي يعاني جراء الحرب، وفتح نوافذ الأمل على ما يشكل قلقاً لديه ومكابدة مضنية إذا تعرض أحد أفراده للمرض، إذ تشكل فرادته في اختيار البحث ومتابعة نتائجه استشرافاً لواقع الأمراض المزمنة التي تستنزف المجتمع على غير مستوى، فما معنى أن تمنح الأمل وأن تزرع وردة في خصيب الأرض في زمن الحروب والأزمات، هذا ما يستنبت التفاؤل بمستقبل علمي تكثفه مشروعات التخرج لطالبات شكلن أنموذجاً حياً لثقافة الحياة، المؤسِّسة لاستراتيجية ينبغي على المؤسسات المعنية من جامعات ومشافٍ ومراكز أبحاث متخصصة التكامل مع أجيال مسكونة بالطموح والعمل والإنجاز، وبالوقت نفسه لابد من أن يكون للإعلام دورٌ حاضرٌ في الإضاءة على تلك المشروعات بوصفها ستترك تأثيراً عميقاً في بُنية التفكير المجتمعي، فلم يعد دور الإعلام أن يكون عابراً في هذه القضايا بل هو شريك في إنجازات الشباب السوري العلمية والتقنية، نظراً لانطوائها على مغزى إنساني عميق، يغذي طموحاً نبيلاً بتغيير الوعي من خلال حملات التوعية الشاملة والتي ستُؤتي أُكلها في المستقبل القريب، خلاصاً من الحروب والأمراض من أجل بيئة إنسانية مستقرة تعزز مفهوم الثقافة الصحية.. هي تجربة شكلت حوافزها من واقعٍ بعينه، أي من ثقافة التجربة الشخصية، لتجربة أكثر عمقاً بالمعنى العام، لتصبح علامةً فارقةً، كما أنها من التجارب الواعدة التي تعني قوة الإلهام والتميز البحثي.. تجربة شكلت لها غير حافز مع اطراد نتائجه في أكثر من رسالة تخرّج.

آفاق للبحث العلمي

الوقوف عند الاستراتيجية الجديدة في العلاج من الأمراض المزمنة، أصبح واحداً من طموحات البحث العلمي الذي تتضافر جهود الأسرة التعليمية والمجتمع من أجل إنجاحه، وذلك ما تؤكده حقائق من تعافوا تماماً وما يمكن أن يخلق تحفيزاً لسواهم، أي بالوعي الصحي الجديد انسجاماً مع تطورات الأبحاث في العالم وعلى غير مستوى، تكامل منشود سيؤسّس لمرحلةٍ جديدة كانت لوقت مضى أشبه بحلم ما، لكن الحلم أصبح حقيقة ستتعداه إلى جملة من العلوم الاختصاصية دعماً وإسناداً للعلاجات الحديثة، إذ ثمة اعتبارات نفسية واجتماعية ومعرفية ستكون روافد تلك الأبحاث، فالحديث عن الآفاق الجديدة هو ما يسم حيوية الشباب الذين يدركون أهمية الخلق والابتكار والقدرة على البناء، ولاسيما بناء الأرواح في وطن عانى جراء الحرب.

عشبة الأمل

د. ريتا عساف وفريقها أكثر من حكاية حلم في مشروع تخرجهن، في ترجيح كفة الحياة على كفة الموت، واستنبات الأمل سيعني استنبات ثقافة مختلفة واستثنائية مكتملة حوافزها ودلالاتها في القادم من الأيام، فما استنبتنه الباحثات عن الحقيقة هو مشروع إنساني في ماهيته وديناميته العلمية، لكنه الأكثر دلالةً بعلامات نهوض الوعي المجتمعي والقبض على «أصابع السرطان» بإرادة على مواصلة البحوث والتنوع فيها، طموحٌ يعيد الاعتبار لأصالة الأبحاث وكفاءة الباحثين من أجل تنوير مجتمعي لعل الإعلام في تعاطيه مع القضايا الطبية سيكون أكثر شفافيةً وكشفاً في سياق عملية تكاملية لا يمكن تجزئتها البتة، هو دور أخلاقي ومعرفي ينهض بالمجتمع بإرادة بُناته الأكفاء.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock