آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

من محردة إلى السويد والحكاية تأتي الأديب يعقوب مراد.. روح حرّة تحتضن الفضاء بجناحين طليقين

جهينة – أحمد علي هلال:

وُصف بـ«عرّاب المحبة»، ولعله وصفٌ ذو جدارة واستحقاق لرجل ترك بصمة في مسيرته ومازال يواصل مقاومته بأشكال متعددة الإبداع وهو المنتمي لوطنه، يستعيده في مغتربه كأنبل الحقائق وأكثرها سطوعاً، ليحضر كقوة المثال مع ما ينجزه المغتربون طيورنا المهاجرة إلى الأقاصي والتخوم، المسكونة بالوطن حقيقةً ونبضاً وقضيةً عادلةً دفعوا من أجلها أثماناً باهظة، لكن ما دفعوه لا يوازي دمعة أم شهيد.. إنه الكاتب والصحفي السوري المغترب يعقوب مراد الذي قال ذلك مكثفاً توقه لشمس كتب اسمها هناك، شمس لا تغيب وليجهر بأخلاق المعرفة وقوة الحق أمام أعداء سورية، حيث يقف منافحاً بجدارة قوى الشر التي تكالبت على سورية، وحاولت كيّ الوعي وتزييف الحقائق في زمن أصبح أكثر وضوحاً حينما تنجلي تلك -الحقائق- على لسانه وخلاصة رحلاته في الزمان والمكان.

أمه الأولى

تعود به ذكريات الطفولة إلى أمه الأولى التي فعلت ما بوسعها لتراه متعلماً وناجحاً في حياته، فمنذ كان في الثانية عشرة من عمره، يجلس قرب المدفأة مراقباً قطرات المازوت المتساقطة قطرة قطرة، ولهيب النار يتأجج من خلال زجاج بوابة المدفأة، تحضر له عرائس الزعتر وتحثه على الذهاب إلى المدرسة.. مواصلاً تعليمه، لكنها فجّرت فيه ينابيع إنسانية ثرّة معجونة بوطنية خالصة، نسيجها أمه الكبرى –سورية- التي كبرت معها أحلامه حاملاً إياها إلى مغتربه القسري السويد، وفيها ظلّ على مسافة خفقة حنين يمدُّ ذاكرته بالكثير من الصور التي يستعيدها ليؤلف حكايته الكبرى، حكاية بدأت من دون مقدمات حينما فاجأه صديقه الصحفي السويدي «يوهانسون» بجواب حول سر زيارته غير المتوقعة يقول فيه: «إنني أراقب ما يجري في البلاد العربية بذهول، ولديّ ألف علامة استفهام، وليس هناك من هو أفضل منك لمناقشته فيما يجري».


كانت الأحداث تتسارع في العالم العربي تحت مسمّى بائس وغريب «الربيع العربي»، إذ توالت فصول المؤامرة، عاد صديقه ليسأله هل تحب الحقيقة؟ وهل تدفع ثمن حبك لها؟ إذاً عليك أن تذهب إلى اليونان ولعلك هناك ستعرفها، لكن ما وقع له وتعرّض له من أذى جعله يستنجد بذاكرته وحنين الأماكن، وهو المركون في قعر باخرة لا يرى شيئاً سوى حديد الباخرة، وحينما سأله سدنة الشر الذين رأوا في رحلته وبحثه عن الحقيقة جرأةً لافتةً: أما زلت تريد الحقيقة بعد؟ قال لهم بثبات: الدنيا ليل حالك، لكنني أؤمن بأن الشمس ستطلع، كان ذلك عام 2011 حينما غمر طمي المؤامرة واجتاح معظم البلدان العربية.. ولم ينفك يعقوب مراد يردّد لأصدقائه: مازلتُ أحبُ سورية رغم وجودي في السويد منذ ربع قرن، ويضيف: أنا لا أستطيع أن أغيب عن سورية أكثر من ستة أشهر.. عندما أشعر بأن أوكسجين إنسانيتي بدأ ينفد أُسرع إلى دمشق لأذوب بها عشقاً وحباً وياسمين، ففيها أحافظ على إنسانيتي التي أحبها ولا أريد أن أخسرها.. فقد تجمّع لديه كل ما أراد من تفاصيل تجهر بحقيقة المؤامرة التي سعى لتوثيقها وتلاوتها في محاضراته، وما تعرّض له من مواقف صعبة فكانت نصيحة صديقه البروفيسور بأن يضع كل ذلك في كتاب وينشره بعد تغيير العنوان من «في حضن الشيطان» إلى «الحقيقة.. أريد أن أرى الشمس»، التي يجلو فيها خبايا وأسرار الحرب الكونية على سورية، وما بين رحلاته في أصقاع العالم وخلال سنوات حمل فيها كتابه الذي وثّق فيه مرحلةً مهمةً ليطّلع القارئ الأوروبي عليها وصولاً إلى القارئ العربي، من دون أن ينسى من حاولوا الغدر به تحت جنح الظلام من أجل قتله، ولم يكتفوا بذلك بل شهروا سكيناً في وجهه، بأن يتوجه لهم بالقول: « ألأنني كنت سفيراً سوريّاً من دون حقيبة، أحاول أن أردّ جزءاً من جميل بلدي الرائع.. ألأنني وقفت مواقف مشرفة في منابر مدن العالم أجمع.. ووجّهت رسالتي إلى السيد الرئيس ومن منابر المحطات الفضائية لأفضح المؤامرة التي لمستها بيدي ورأيتها بعيني، وأسرعت مع بعض الأصدقاء المدنيين الغيورين لإنشاء صفحات مواقف مشرفة ولأجلك سورية، محاولين بكل ما نستطيع لجم المؤامرة في مهدها ونشر الحقائق من أجل أن يبقى وطننا لجميع أطيافه».

نبض سوري في استوكهولم

كان يلمس في السويد كل نبض سوري حار ودافئ في قلبها.. الباردة جداً بثلجها الأبيض، ولكن قلوب السوريين تبقى كلون الثلج بيضاء، ثمة سؤال كان يلحّ عليه: لماذا يجب أن يكون الإعلام السويدي كالببغاء ينقل الأخبار كما هي ولا تكون له شخصيته المحايدة والمستقلة؟ لكن ذلك لم يمنعه من أن يجهر بأن واجبه كسوري أولاً وسويدي ثانياً أن ينقل ويشرح الصورة الحقيقية لما يجري في بلده سورية، وهو واجب كل سوري مقيم خارج بلده.. خمسون ألف سوري في السويد ضمن عشرات الجمعيات والأندية مازال الإعلام السويدي يتجاهلهم، يردف بأنهم سيتجاهلون السويد في الانتخابات القادمة لأنه خذلهم، وسيخرجون في مسيرات من تلقاء أنفسهم، وليس ثمة من يجبرهم عليها.

عندما أبكته غادة شعاع

حينما أقيمت بطولة العالم لألعاب القوى في مدينة «غيتبوري»، وانطلقت آخر لعبة من ألعاب القوى كانت غادة شعاع في الطليعة، غادة التي رفعت علَم سورية عالياً، وأعلن المعلق الرياضي فوزها بـ (6651) نقطة، وفاجأت كل التوقعات بفوزها واكتملت الفرحة بغادة ذات الثلاثة وعشرين ربيعاً من مدينة صغيرة اسمها محردة تقع على كتف العاصي، تشارك وتتحدى وتربح عالمياً وتنتزع الميدالية الذهبية من فم المخضرمين، ومعها أصبح العالم كله يعرف أين تقع سورية الآن، حدثٌ انتزع الدموع من عينيه، ليهرع إلى الوفد السوري وينتزع علم بلاده ويضعه على كتفه.

مواقف متعددة لقضية واحدة

وإذا كانت حقيقة الإعلام الآخر أنه يأتي إليها متأخراً، كما هي حال الصحفي «باتريك» الذي لم يدخر وسيلة للانتقاص من سورية وتغييب الحقائق، آنذاك كان يعقوب مراد وعبر محاضراته المديدة ومواقفه في إقناع رجال الإعلام والصحافة بأن بلداً مثل سورية نال أبناؤها المغتربون في السويد قدراً عالياً من التعليم العالي بين أقرانهم من المغتربين، وذلك ما شكل لدى الإعلاميين رؤيةً مختلفةً مع اتضاح فصول المؤامرة، ليكتب باتريك نفسه كتاباً بعنوان «كيف استطاعوا أن يسكتوا الإعلام السوري»، ويشي بانقلاب الصورة والتغيّر في وعي الإعلام السويدي، ما يشكل معه نقطة تحوّل كما في حكاية «إليزابيث» الفتاة التي تعرف إليها بداية عام 2003، حين أنهت دراستها الثانوية فقررت ترك المدرسة، وجاءت تطلب عملاً في مطعم، لكن –مراد-أقنعها بدراسة اللغة العربية، الأمر جعلها تسجل في جامعة أوبسالا القريبة من استوكهولم لتدرس فيها الأدب العربي، وتنهي عامها الأول وتبدأ رحلة بعدها إلى العراق ثم أفغانستان وغزة وصولاً إلى دمشق عام 2008، وكانت حصيلة رحلاتها أن أقامت معرضاً لصورها في معبر رفح وغزة، ونشطت مع والديها في حشد مسيرات ضخمة للتنديد بجرائم الصهاينة مرتديةً الكوفية الفلسطينية، لكن أهم ما فعلته إليزابيث وعائلتها -كما يقول الباحث يعقوب مراد- أنها كشفت عملية تزوير البرتقال من قبل الكيان الصهيوني من خلال وضعه في صناديق كُتب عليها إسبانيا، فأجبرت الحكومة على إتلاف البرتقال وإيقاف استيراده، ومن ثم جمع آلاف التواقيع لدعم أهل غزة بقرار التبرع بأجرة يوم كامل من كل وسائل النقل الداخلي لصالح أهل غزة، وكان من الواضح حقيقة الدور الذي لعبه –مراد- في حمل إليزابيث -المواطنة السويدية- على التفكير بغير موقف إيجابي والانتصار للقضايا ومعرفتها والدفاع عنها وليس مجرد التعاطف معها فحسب، لتبدو سورية أمامها راسخة الحق رغم تكالب أعدائها عليها.

العودة إلى دمشق

لم تكن عودته إلى دمشق عابرةً شأن أي زائر مترع بالشوق لبلده فحسب، بل عاد إليها من أجل أن يجعل عائدات كتابه «الحقيقة.. أريد أن أرى الشمس» لصالح جرحى الحرب أبطال الجيش العربي السوري، الذين خصّهم بأسرّة وكراسي ومعدات طبية كلما أُتيح له المجيء أي كل ستة أشهر، إذ يقول: «كلما جئت إلى دمشق أغترف دفئاً.. أدخره كزوادة لشتاء السويد الطويل.. شتاء دائم ذو نبرة لا تتحدث إلا بلسان الريح، وإيقاع لا يأتي إلا عبر نوتة المطر وسحنة الثلج الأبيض»، ليمضي أوقاته وتجواله في الحميدية والصالحية وجبل قاسيون ولسان حاله يقول: «الوطن قيمة.. لا تقلْ ماذا أعطاني الوطن.. بل قل ماذا أعطيت أنا وطني»، وظلّ الوطن/ الإنسان ديدنه ليكون عرّاب المحبة وشديد الوفاء لفناني بلده الذين رأى فيهم صورة الثقافة وتجليات العطاء.

وجدانيات الاغتراب

وضع يعقوب مراد الكاتب والباحث الاجتماعي بأمور الجالية العربية كل هواجسه في كتبه، ومنها كتابه «السويد وصوت الطبل»، ليشي فيه بحكايات أحلامه بحثاً عن فرح وحياة أفضل بعيداً عن الخيبات، مدوناً قصصاً اجتماعيةً صادقةً ومضادةً للأكاذيب التي يراها صوت الطبل الذي نطرب لسماعه، قصص تذهب إلى الواقع وجلاء الحقائق.. فعندما يتمزق الطبل لا يعود له صوت أبداً.

حكايته مع الفنانين

ذات مرة قال له الفنان دريد لحام: أنت عندما تكتب رسالة لأمك أو حبيبتك.. تشعر بأن هناك كلاماً كان يجب أن تكتبه أكبر وأهم من الكلام الذي سجلته، هي حاله مع فنان أحبه وشعر بأنه لم يعطه حقه في أي مقالة كتبها عنه، وما زال يذكر حينما التقى 1500 طالب جامعي في سورية بالفنان الكبير دريد لحام يناقشونه في فكره وتطلعاته وفي نظرته الخاصة للحياة، وكان ليعقوب مراد شرف تسجيل هذه الندوة ونشرها في مجلة «ألوان» عام 1985، ليجلو فيها الوجه الإنساني للفنان دريد لحام ومثال الفخر به، وفي كتابته عن ممدوح الأطرش الفنان المخضرم والرسام والشاعر والكاتب، وهو يشهد مسرحيته عام 1977، التي كانت بعنوان «عرس التحدي» والتي عُرضت على مسرح معرض دمشق الدولي، وضمّت نخبة من العمالقة منهم وديع الصافي وسميرة توفيق ومحمود جبر وغيرهم.


كان الوطن هو الإنسان -كما يذهب يعقوب مراد- لذا نجده يحتفي على الدوام بأصدقائه المبدعين من أمثال عباس الحاوي والراحل طلحت حمدي وقمر عمرايا وسواهم الكثير، ما يعني أن الاغتراب لم يشكل له حاجزاً ليتواصل مع النخب التي أحبها، ومثال ذلك ما أُطلق عليه من ألقاب، فقد وصفته الفنانة نبيلة النابلسي بصديق الفنانين، وأطلق عليه الممثل عباس الحاوي لقب «عرّاب المحبة»، المحبة التي تعني إخلاصه لأمه الكبرى سورية، وسعيه لإقامة جسور محبة وتواصل ما بين سورية والسويد، فهو السوري في السويد والسويدي في سورية، وجهان لعملة واحدة خلاصتها الانحياز لعدالة القضايا ولمفهوم الإنسانية الواسع، لكن الأدل مسؤوليته كمبدع ومثقف يصدحُ بالحق وينشر رسائل المحبة والسلام «من روح حرّة تحتضن الفضاء بجناحين طليقين، لا تزعزعهما ريح عابرة، ولا تقيّدهما حبال الباطل».

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock