الخميس, 26 تشرين الثاني 2020
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 40 تاريخ 5/9/2008 > التجلي الأخير لغيلان الدمشقي مثقف مقهور عاجز عن الفعل
التجلي الأخير لغيلان الدمشقي مثقف مقهور عاجز عن الفعل
منذ أكثر من ثلاثة عقود والسينمائي السوري ينتظر انطلاقة في الإنتاج السينمائي الخاص، بعد أن ثبت أن المؤسسة العامة للسينما لا تستطيع إنتاج أكثر من فيلمين سنوياً.
وقد طُرحت شركات الإنتاج التلفزيوني التي تنتج الدراما نفسها في أكثر من مقام باعتبارها شركات إنتاج سينمائي أيضاً، فتجد على عنوانها وبطاقات التعريف بها أنها شركات للإنتاج التلفزيوني والسينمائي، وبالرغم من بعض المحاولات البسيطة للخروج من هذا الواقع عبر إنتاج أفلام بتقنية الديجيتال، ليصار لنقلها إلى شريط سينمائي فيما بعد إلا أن هذا الأمر لم يتم إلا مع فيلم العشاق لحاتم علي في تجربة وحيدة وفريدة.
لكن ما أعلنه المخرج هيثم حقي مساء السبت 23 آب الماضي في صالة الكندي من أن شركة ريل فيلم بصدد إنتاج عشرة أفلام حتى آذار القادم يبدو جدياً ومختلفاً، ويعطي انطباعاً أن قرار تحريك الإنتاج السينمائي في سورية قد اتخذ وأن هناك أكثر من فيلم جاهز للعرض أو قيد التصوير أو في مرحلة التحضيرات النهائية، وهذه الأفلام إما سورية أو مصرية أو لبنانية..
وفي هذه الأمسية تابع الجمهور باكورة إنتاج هذه الشركة فيلم « التجلي الأخير لغيلان الدمشقي« من سيناريو وإخراج هيثم حقي وبطولة فارس الحلو، كندة علوش، رضوان عقيلي، قيس الشيخ نجيب....


جهينة- منصور الديب:

التجلي الأخير لغيلان الدمشقي
إذا كان عنوان الفيلم «التجلي الأخير لغيلان الدمشقي« يعطي انطباعاً أنه لعمل روائي أو قصيدة شعرية لكن بالتأكيد بالنسبة لفيلم هو عنوان مثير للفضول ويدفعنا للتساؤل عن هذا الرجل غيلان الدمشقي الذي تقل المراجع عنه حسب الفيلم، وغيلان هذا عاش في أيام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وكان قدرياً وعلى مذهب المعتزلة، وجرت مناظرات بينه وبين عمر بن عبد العزيز الذي محضه ثقته، فولاه بيع خزائن ملوك أسلافه الأمويين، وكان يكثر من سبهم والتشهير بمخازيهم وبالمنكرات التي ارتكبوها، فأضمرها له هشام بن عبد الملك ولما تمكن منه في أيام خلافته قطع يديه ورجليه.
يبدأ الفيلم بكابوس سيتكرر في أكثر من مرة يحلم به سامي بصرصور يمر أمام عينيه وحذاء عسكري يقوم بدهس هذا الصرصور، ليفيق سامي من هذا الكابوس ونتعرف على هذا الشاب الثلاثيني بالرغم من مظهره الخمسيني في منزله الذي يعيش فيه وحيداً وأعزباً مع أمه، ونتعرف أكثر على شراهته في الطعام وهوايته الغريبة في قص صور الحشرات ولصقها على لوحات، ونتابع في المشاهد التالية هذا الرجل الذي يتعرض للإساءة والاستهتار من قبل سائق السرفيس وراكب فيه إلى أن يصل إلى عمله في إحدى المديريات في وزارة الصحة، الذي يتضح كم هو منطو على ذاته، خجول ومهمش.
ثم يذهب إلى الجامعة ليحضر رسالة دكتوراه عن غيلان الدمشقي لنكتشف الاستصغار الذي يعامله به أستاذ الجامعة أيضاً. إنها صورة لذلك الشاب الذي يعاني اضطهاداً ممنهجاً من قبل جميع فئات مجتمعه.
عندما يعود سامي من عمله إلى المنزل يخبره الجيران أن والدته قد ماتت، فيتصرف بطريقة غريبة، ونجد أنه يستغل هذا الموت ليتقرب من جارته الشابة سناء ويتحسس يدها ليروي رغبته المكبوتة، ليستمر في ممارسة شراهته للطعام، وعندما ينفرد في المنزل يعيش حياة أكثر حرية واستقلالاً ليبدو وكأنه سعيد بوفاة والدته وخصوصاً عندما يكتشف من نافذة غرفة والدته عالماً جديداً مفتوحاً على بيت جارته العاهرة التي تعمل في أقدم مهنة في التاريخ،تحت إمرة زوجها ذلك الرجل الذي يأخذ هذا المال كي يلعب القمار.
سامي بداية من هذه اللحظة سيتلصص على عالم جارته العاهرة نصف العارية في علاقتها مع زبائنها وزوجها ويعيش حالات شهوانية تكرس صورة الرجل المكبوت العاجز عن القيام بالفعل.
سامي الذي يقضي وقته في التهام الطعام سيعاني من آلام معوية بسبب أنواع الطعام الرديء التي يأكلها بشراهته المعهودة، ومن موقعه وبالمصادفة سيكون شاهداً على حدثين مهمين الأول محاولة زواج ابنة جيرانه سناء من شاب طبيب مع أن سناء تحب شاباً آخر ذا ميول يسارية ستهرب معه قبل أن يتم الزواج،أما الحدث الآخر فهو موت جاره القواد أمام عينيه دون أن يستطيع الإبلاغ عنه حتى لزوجته التي كانت تبحث عنه لينتهي سامي إلى الموت وحيداً نتيجة إفراطه في الطعام السيء.
هذا الملخص للفيلم بجانبه المعاصر يتقاطع مع جانب تخيلي تاريخي نرجع فيه إلى مقاطع من التاريخ المرتبطة في البداية بغيلان الدمشقي وعلاقته بعمر بن عبد العزيز وكذلك بهشام بن عبد الملك إلى مرحلة قطع يديه ورجليه،لننتقل تاريخياً إلى مراحل أخرى من التاريخ في فترة عبد الرحمن الكواكبي والسلطان عبد الحميد وإلى خيالات مريضة يحل فيها عقده في السلطة والجنس فنراه يتناوب بين دور الواعظ الناصح ودور شهريار مع نسائه.
وفي محاولاته مقاربة وضع المثقف المتنور غيلان الدمشقي أو عبد الرحمن الكواكبي، ليقوم بدوره المنوط به في نصرة المظلوم وإحقاق الحق،وفي مواجهة الظالمين من الولاة والخلفاء التي سيكون نتيجتها السجن والنفي كما في حالة عبد الرحمن الكواكبي أو قطع الأيدي والأرجل والصلب والتعليق على أحد أبواب دمشق كما حصل مع غيلان الدمشقي.
تكمن أهمية الفيلم الفكرية في ذلك الربط بين الدور المطلوب من المثقف وما عاشه هذا المثقف تاريخياً من قهر وانعدام حرية ليكون لعجز المثقف المعاصر تبريره فهذا المثقف ذاق الأمرين من السلاطين والخلفاء حتى بات الخوف متمكناً منه فتراه يقضي وقته في تلك المناظرات والحوارات التي تجري في المقاهي دون قدرة على تغيير الواقع السيء، واختيار هيثم حقي لشخصية غيلان الدمشقي هو اختيار ألمعي وأكثر من موفق.
إن هذا الجانب الفكري الهام الذي يعالجه الفيلم كان عليه المرور بشكل فني اعتمد فيه حقي شخصية سامي ليكون حاملاً لهذه الفكرة وبالتالي حاملاً للفيلم فأمعن في تشريح هذه الشخصية وردود أفعالها تجاه ما يحدث، وباعتبار أنها شخصية عاجزة غير قادرة على الفعل فقد الفيلم ركناً أساسياً من أركان جاذبيته بالرغم من محاولات فارس الحلو لابتداع أفعال يمكنها تطريف المناخ الهامشي الذي تعيشه هذه الشخصية، لكن أعتقد أن الفيلم فقد الاتصال مع الجمهور في منتصفه تقريباً فلم يعد يستطيع شدك إلى موضوع ما وخصوصاً أن الفيلم يستمر في تشريح شخصية سامي مرة أخرى دون اكتشاف ما يثير فيها وخصوصاً أن الجانب التاريخي الذي كان يطلب منه انتشال العمل درامياً أخفق مع استطراداته في هذه المهمة دون التقليل من الأهمية الفكرية لهذه المشاهد .
كان جميع من حضر الفيلم يتخوف على هيثم حقي من تأثير تجربته التلفزيونية على عمله السينمائي لكن ما صنعه يؤكد على قدرته العالية على الفصل بين الفنين وخصوصاً لجهة استثمار المكان كعنصر حصار وسجن اختياري يستطيع من خلال نافذته التعرف على العالم وميزانسين الكاميرا التي تحركت برشاقة بين غرف ذلك البيت لتقدم عالماً يشبه سامي في انطوائيته وانغلاقه على الداخل.هذا إضافة للموضوع الفكري الكبير الذي لا تتجرأ الدراما التلفزيونية على مقاربته.
فاجأنا هيثم حقي بأنه لم يخضع فيلمه للشروط التجارية بالرغم من تبني القطاع الخاص له، فبدا فيلماً منافساً لأفلام القطاع العام بجديتها ونخبويتها.
وخرج السينمائيون بعد هذا الفيلم مفعمون بالأمل بأن قطار الإنتاج السينمائي سيعاود الانطلاق وأننا على موعد قريب مع صالات سينمائية جديدة وشركات ستتشجع لإنتاج أفلام جديدة ليتحول نجوم الدراما السوريون قريباً إلى نجوم تلمع في سماء السينما.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة