الخميس, 26 تشرين الثاني 2020
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 27 تاريخ 1/8/2007 > هذه مشكلتنا: عابرون في وطن يتوهمون أنه عابر.!!.
هذه مشكلتنا: عابرون في وطن يتوهمون أنه عابر.!!.
أول ما تبادر إلى ذهن الدكتور خلف الجراد في رده على مقالتي المنشورة في عدد حزيران الماضي «حول تقريره الرقابي الذي اقترح فيه رفض إنتاج سيناريو تلفزيوني مقدم من قبلي إلى مديرية الإنتاج في التلفزيون السوري».. أن انفعالي في تلك المقالة كان ناجماًَ عن خسارتي لمئات آلاف الليرات بسبب اقتراحه هذا. فهو يفتتح رده بالقول: «ومع تفهمي للحالة الانفعالية الناجمة عن ضياع مئات آلاف الليرات من السيد كاتب النص, إلا أنني فوجئت باللغة التهجمية غير اللائقة ومحاولة الإساءة عمداً لشخص المراجع للنص».
وفي الواقع حيرني كلام الدكتور خلف الجراد هذا, فهو من ناحية يبدي موهبة كبيرة في إبداء الشفقة تجاه الآخرين, وهو من ناحية ثانية يحمل رسالة شماتة وتبجج بأنه قادر على قطع أرزاق الناس.. ولكن مهما كانت غايته المبطنة فسأسارع إلى إزالة شعوره بتأنيب الضمير كقاطع أرزاق إن وجد, أو إلى حرمانه من النشوة والتمتع بلحظات الشماتة التي عاشها في وهم خسارتي لمئات آلاف الليرات, وذلك بالقول بكل بساطة: إنني قبضت ثمن هذا السيناريو وحصلت على جميع حقوقي المادية فيه.. وفي مثل هذه الحالة يحق لي القول بكل بساطة أيضاً إن تقديره الواهم هذا لم يكن أكثر من هراء.
أنا أعرف يا دكتور خلف أنك تعيش في عصر مادي لا يسمح لك إلا بالتفكير على هذا النحو, فالمال في عصرنا هذا بات يصنع الرجال والخيال والمواقف وكل شيء, وبات التعويذة السحرية التي تجعل العالم يدور حول نفسه. بيد أن ذلك لا ينبغي أن يغيّب عن بالنا أناساً نادرين يودون قول الحقيقة مقابل خسارتهم أي ثمن. ولو أنك فكرت قليلاً من التفكير لأدركت أن ما يشغلني أولاً وأخيراً أن يرى عملي هذا النور لأنني أزعم أنه عمل وطني بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى, وهو الأمر الذي تناسيته أو فاتك إدراكه, لأن سلطة الرقيب وشهوة المنع هما اللتان قادتا قراءتك للنص وجعلتاك بعيداً عن أن تكون منصفاً.
وسأشرح لك ذلك لاحقاً.. ولكن دعني في البداية أوضح لك أسباب انفعالي الذي اعتبرته خطأ على أنه محاولة للإساءة إلى شخصك عمداً.. متجاهلاً أنك طرحت في تقريرك ذاك أفكاراً خطرة من حقي مناقشتك والرد عليها, خاصة أنها صادرة عن مسؤول إعلامي كبير لا يزال يمارس عمله على رأس أكبر مؤسسة صحفية في البلاد.
تقول في ردك: «كل ما قمت به أنني أعربت عن خشيتي من تأثيرات المسلسل على علاقات بلدينا سورية وتركيا واستثارة حساسية الجانب التركي خلافاً لتوجهات سورية وقيادتها في هذا المجال.. وفقرات المذكرة كلها تقوم على هذه المسألة المحورية».
وهذا ليس صحيحاً يا دكتور خلف!! ففي تقريرك أشياء أخرى أهم وأخطر من هذا, وقد تجاهلتها عمداً ولم تضع تحتها خطاً.. وسأذكرّك بها لأؤكد لك أنك أنت الذي تجتزئ العبارات وتغيّب ما يحرجك منها, لا أنا!!
لقد ورد في تقريرك: «إلا أننا نعتقد بما يقترب من اليقين أن معالجة تلك المرحلة العاصفة والإشكالية المعقدة والحساسة عبر الشاشة وتقديمها كأعمال درامية ستثير إشكاليات كبيرة تركياً وعربياً وألمانياً وغربياً.. ناهيك عن ردود الفعل العنيفة التي ستثار من اسرائيل والصهيونية ووسائل الإعلام المؤيدة لهما في العالم».
إذاً.. فأنت أعربت عن «خشيتك» من تأثير المسلسل على العلاقات السورية التركية, وعن «خشيتك» من ردود الفعل العنيفة التي ستثار من اسرائيل والصهيونية. وهذا جوهر الموضوع الذي أثرته في مقالتي تلك في عدد حزيران, مع التعليق الآتي: نحن في حالة حرب مع اسرائيل ولدينا أرض تحت الاحتلال ونتوقع العدوان في أي لحظة, فأن نثير ردود أفعال اسرائيل ليس جريمة, الجريمة ألا نفعل ذلك. وعندما لا نفعل ذلك حسب وصيتك لن يكون شعارنا عن الممانعة والمقاومة أكثر من كذبة إذاً!!.
ولقد أوضحت في مكان آخر من تقريرك تمسكك بهذه «الخشية» إلى درجة توحي بأنه يتعين علينا حسب نصائحك شطب اسم اليهود وتاريخهم الدموي واحتلالهم لأرض فلسطين من تاريخنا وذاكرتنا وكتبنا المدرسية لمجرد الخوف من اتهامنا بالعداء للسامية.. فأنت تقول: «وأتوقع أن المسلسل سيثير انزعاجات واسعة لدى الأتراك, كما أنه يتضمن عبارات قاسية ومسيئة لليهود الأمر الذي سيعدّ عداء للسامية».
يا صديقي.. نحن في نظر اليهود خنازير, وفي نظر الأميركيين إرهابيين, وفي نظر الغرب الوحش النائم الذي ما إن يستيقظ حتى يفتك بحضارة العالم.. أنا لا أقول إنه ينبغي علينا أن نرد على هؤلاء الأعداء بالمنطق ذاته, ولكن لا يوجد عاقل يمكن أن يقول إنه علينا أن ننسى الماضي ونُخرس صوت التاريخ ونقبل الاحتلال ونتصالح مع بحور من الدماء, وإلا كنا كمن يكسر إحدى ساقي الحياة بانتظار مستقبل أعرج. فجميع شعوب الأرض تعيش على الماء إلا اسرائيل فإنها لا تستطيع العيش إلا على دماء العرب, والعربي الجيد في نظر أبنائها هو العربي الميت. في العام الماضي دمروا بلداً عربياً, ومنذ سنوات طويلة وهم يقتلون الفلسطينيين يومياً في شوارع مدنهم كما تصطاد العصافير..
هل نصمت على كل هذا تحت ذريعة «الخشية» من اعتبارنا معادين للسامية؟!.
ومن ثم يا أخي, فنحن متهمون بالعداء للسامية والأمر منته. ومتهمون بالارهاب والأمر منته, وسنظل متهمين بهما طالما بقيت لنا بقية من روح المقاومة, فأي إخلاص أو أي حكمة وطنية في أن نرفع هذه الفزاعة المختلقة في وجوه بعضنا البعض؟!.
ولأوضح الصورة أكثر.. هناك أربعة تقارير رقابية حول هذا السيناريو لقراء نصوص في دائرة الرقابة في التلفزيون السوري. ولو عدت إليها لاكتشفت أنها تخلو خلواً تاماً من أي أثر أو إشارة عابرة أو تلميح بسيط مرتبط بهذه المسألة.. وهذا يؤكد لي مرة أخرى أن قرار الرفض الذي وضعته نصب عينيك مسبقاً جعل خيالك يتفتق عن مخاوف وهمية لا وجود لها ومن بينها: «الاساءة إلى اليهود»!!.
ولنأت إلى قصة الأتراك الآن.
تقول في تقريرك عن السيناريو: «.. فقد وجدنا وعبر قراءة متأنية له أن في تحويله إلى عمل درامي إثارة محتملة جداً لحساسيات سياسية بين العرب والأتراك نحن بغنى عنها ولا تخدم مطلقاً مصالحنا الوطنية والقومية».
لن أرد على ذلك الكلام من عندي. سأدع تلك التقارير الأربعة الآنفة الذكر هي التي ترد على ذلك. ففضلاً عن أنها تخلو خلواً تاماً من هذه المخاوف, ولا تشترك مع تقرير السيد الجراد في أي نقطة أو ملاحظة, ورد فيها عكس ذلك, وهو ضرورة إنتاج هذا العمل لخلق أرضية مشتركة للتقارب بين العرب والترك ولتصحيح كثير من الأدبيات التاريخية المغلوطة. وسأقتطف هنا بعض ما جاء في هذه التقارير:
«شخصيات متنوعة ذات ملامح خاصة ومصائر مؤثرة وأفكار جديدة وجريئة لم يسبق للدراما أن قدمتها, وهذه الرواية تصور الأحداث التي أدت إلى قيام دولة لليهود في فلسطين. إنها بعض أوراق الزمن العربي بما فيها من جوع وشهداء وخيبات» – رؤية كنعان. كاتبة وقارئة نصوص.
«يتميز هذا المسلسل بنفسه الروائي وبحبكته الدرامية المتقنة وبأحداثه الواقعية المرتبطة ارتباطاً عضوياً بحياتنا السياسية والاجتماعية المعاصرة.. العمل جدير بالاحترام ويستحق كل تقدير وسيكون نقطة علاّم في تاريخ الانتاج التلفزيوني» محمد بدرخان. مخرج تلفزيوني.
«مسلسل تاريخي سياسي هام يفضح المخططات الاستعمارية والصهيونية لتقسيم المنطقة. العمل مكتوب بحرفية جيدة وحوارات رشيقة سلسة وجميلة. والمسلسل غني بالأحداث والصراعات المشوقة... إلخ» علي الشريف. رئيس دائرة الرقابة.
«.. وبكل حال العمل درامياً ممتاز.. والكاتب يمتلك خبرة واضحة في تحريك عالمه الدرامي وصياغة شخوصه. وبشكل عام العمل جميل قوي وهام.. واقترح تعميق الخط الذي يصور العرب والأتراك كضحايا للهجوم الاستعماري الصهيوني على المنطقة.. غير ذلك العمل ممتاز وينمّ عن دراية درامية صريحة وتمكن واضح لا لبس فيه. والعمل ضروري جداً في هذه الفترة لجهة خلق أرضية مشتركة بين العرب والترك». محمود عبد الكريم. كاتب وعضو لجنة تقييم النصوص.
والسؤال الآن بكل بساطة: هل هؤلاء الكتاب والقراء المتخصصون بتقويم النصوص, جميعاً على خطأ وأنت الوحيد على صواب يا سيد خلف الجراد؟!.
ولمعلوماتك يا سيد خلف.. العمل مأخوذ عن كتاب لصحفي تركي ونائب في البرلمان يدعى لطفي أكدوغان. قضى خمسة وثلاثين عاماً في البحث عن وثائق وأسرار فترة حكم جمال باشا الكبير لسورية خلال الحرب. وقد حصل على وثائق وشهادات حية صاغها على شكل كتاب مدعم بالوقائع وأسماء الأشخاص والأماكن الحقيقية. وكان السيناريو ترجمة حرفية لهذا الكتاب ومكرساً تماماً للكشف عن الدور الصهيوني في المسألة السورية حيث كان العرب والأتراك جنباً إلى جنب من ضحايا هذا الدور, هدمت امبراطوريتهم واستلم العرب بلاداً مجزأة كرقعة الشطرنج وخاضعة للانتداب.
في ختام الكتاب يتوجه الكاتب بالحديث لشعبه التركي قائلاً: «الآن.. وقد قرأتم هذا الكتاب وعلمتم ما جرى من أحداث وشاهدتم كيف دمرت الامبراطورية العثمانية, فإن معرفة العدو القديم –يقصد الصهيونية- تساعدنا على التعرف على أعدائنا القادمين.. أليس كذلك؟!».
وبعد عقود من صدور هذا الكتاب يأتي رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان ليقول على شاشة إحدى الفضائيات العربية: «خطر اسرائيل عليكم أنتم العرب أقل بكثير من خطرها علينا نحن الأتراك. فهي تسعى إلى الصلح معكم, لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تفكيك وتقسيم بلادنا تركيا».
أليس هذا ما يحدث في شمال العراق وشرق تركيا الآن؟!
إن استقراء وقائع تلك المرحلة من التاريخ على ضوء الوثائق التركية نفسها والتي ذهب ضحيتها العرب والأتراك معاً.. سيكون مفيداً في معرفة العدو المشترك لنا وللأتراك في الماضي والحاضر والمستقبل.
وأتصور أن وجود مسلسل درامي يكشف هذه الحقائق بروح موضوعية خالية تماماً من العداء القومي أو من محاولة إثارة الحساسيات وأحقاد الماضي, سيكون أمراً مقبولاً لدى الطرفين بكل الاعتبارات السياسية والديبلوماسية والثقافية, يخدم التطورات الايجابية الجديدة في العلاقات السورية التركية ولا يسيء إليها.. فهم أيضاً معنيون بمعرفة هذا التاريخ لكي يتعرفوا على أعداء المستقبل.
ولتسمح لي هنا أن أسألك يا دكتور خلف: من أنت وبصفتك من لتعطي لنفسك الحق في تحديد وتقرير ما يخدم أو لا يخدم مطلقاً مصالحنا الوطنية والقومية؟! والحقيقة هي أنك لا أنت ولا أنا ولا أحد غيرنا يملك هذا الحق بمفرده. هناك شخص واحد يخوله الدستور تحديد وتقرير ذلك وهو رئيس البلاد.
وأما نحن المثقفين والمواطنين فقد نتحدث عن المصالح الوطنية والقومية كل من موقعه وعلى ضوء خلفياته السياسية, ولكن الأمر يبقى موصوفاً بوجهات النظر التي قد نتفق حولها أو قد نختلف فيها. وبالنسبة لي أجد من المستغرب حقاً صدور توجيهات أو آراء أو قرارات من أي جهة كانت تقضي بإيقاف الكتابة عن تاريخنا القريب. وكان على هذه الجهة أو هذا الشخص كائناً من كان أن يتذكر أن السيد الرئيس بشار الأسد جعل من سايكس بيكو جزءاً هاماً من أدبياته ومفردات خطابه السياسي مركزاً على الوقائع والحقائق التاريخية لتلك الفترة لإضاءة ومعرفة المشروع الأمريكي الصهيوني الذي تغرق فيه منطقتنا العربية عبر صياغة سايكس بيكو جديدة تسعى إلى تقسيم المقسّم وتجزيء المجزأ ونعيش ويلاته يومياً الآن في أرض كل من العراق وفلسطين ولبنان.
فهل تصفقون لسيادته دون أن تعوا ما يقول؟!.
أما كان الأجدر بكم أن تجنّدوا وتستنفروا كل طاقاتنا الثقافية والأدبية والفنية لخدمة هذا التوجه الوطني والقومي بدلاً من أن تعرقلوه؟!.
وإني لأكاد أشك بأن الدكتور خلف الجراد يعيش الأحداث التي تجري حولنا اليوم حين يقول: «إنه ليس من الحكمة نكء الجراح التي خلفتها تلك الأحداث»!! وهذا يذكرني بفقرة من رسالة خاصة بعثتها إلى السيد نائب رئيس الجمهورية الأستاذ فاروق الشرع قلت فيها: «.. فنحن بعض كتاب الدراما نلجأ إلى الكتابة عن التاريخ القريب أو في أجوائه لنطرح قضايا وطنية وانسانية نراها جادة وملحة, وهذا ما لا نستطيع الاقتراب منه في أعمال معاصرة نظراً لكثرة المحظورات والخطوط الحمرالتي تكبلنا وتجعل من القضايا السطحية والتافهة هي الهامش الوحيد المتاح. ومن ثم فإن إصرارنا على نقل صور كفاح الماضي يهدف إلى بعث الروح الوطنية لدى أجيالنا ونحن نراها تتآكل وتتقلص تحت ضغط الظروف وقهر الحياة.. وإلى مقاومة اليأس الذي آل إليه الشعب العربي بعد نصف قرن من الهزائم والانكسارات, أو على الأقل لنعاند الزمن بتلك الصور المضيئة, فلا يستطيع الزمن أن يمحو ذكراها».
وهذا يذكرني أيضاً بفقرة صغيرة وردت في رسالة خاصة بعثتها إلى وزير إعلام سابق قلت فيها: «إن الديبلوماسية أو الأمزجة الشخصية لا ينبغي أن ترسم حدود ثقافتنا وفننا وتاريخنا.. ولا يحق لأي شخص كان بموجب سلطاته العابرة أن يحجب عن أجيالنا الجديدة حقها في معرفة تاريخها تحت أي ذريعة أو ظرف. ولأصارحكم القول بأن قرار وقف إنتاج المسلسلات التي تتحدث عن فترتي الأتراك والفرنسيين أثار استياء الجميع من كتاب ومخرجين ومثقفين.. وطرح السؤال علناً: ألسنا دولة ذات سيادة؟ وهل سيكون الأمر مماثلاً مع اسرائيل؟!».
هذا بالضبط ما نتوقعه!!. وهذا بالضبط ما يخيفنا بعد أن كوتنا اتفاقات السلام العربية الاسرائيلية بنارها: أن نسمع أصواتاً تطالب بالمهادنة مع اسرائيل ونحن في حالة حرب معها, فكيف سيكون الأمر بعد حصول السلام الموهوم معها؟!
يأتي التوجيه هكذا عاماً وشاملاً وقاطعاً ونهائياً: «لا نريد كذا..» ويغلق باب النقاش.
وهذه هدية مبهجة بالنسبة للقائمين على مفاصل الإعلام والإنتاج التلفزيوني, لأنها تشعرهم بقبضتهم شديدة الاحكام حول أعناق الكتاب والمخرجين. وهم لهذا غير مستعدين للاعتراض أو المناقشة حتى لو كانت بين أيديهم أعمال ونصوص تهدف إلى إزالة تلك الحساسيات التاريخية بين الشعوب وتخدم سياسة وديبلوماسية التقارب والتفاهم مع الأتراك والفرنسيين.
وهذا يذكرني أيضاً بفقرة من مقالة بعثتها إلى جريدة «الثورة» ولم تنشر بالطبع!!. قلت فيها:
«يبدو لي أحياناً أن أصحاب هذه «التوجيهات» يعتقدون بأن الكتاب السوريين يعيشون في مغاور نائية تفصلهم عما يجري في العالم, وقد لا تبيح لهم معرفة هذا التقارب أو ادراك أهميته في الظروف الراهنة فضلاً عن أنهم –أي هؤلاء الكتاب- بسبب من أمزجتهم الحادة قد يهدمون ما تبنيه الديبلوماسية الرشيدة!!
بينما في الحقيقة أستطيع أن أتوجه إلى أصحاب هذه التوجيهات بالاتهام بأنهم هم الذين يعانون من هذه المشكلة لا نحن الكتاب!! وسأوضح ذلك بالقول: لو أننا أنتجنا وعرضنا على شاشتنا مائة مسلسل درامي معاد لفرنسا, لما فسّر ذلك موقفها العدائي تجاه سورية خلال العامين الماضيين. فما دامت الدراما كانت مسالمة وبعيدة عن إثارة حساسية الفرنسيين, أين كان الخطأ الذي سبب كل هذا العداء لنا إذاً؟!».
ما أود قوله هنا باختصار, هو أن هذه العقلية الاعلامية القديمة التي يعد الدكتور خلف أحد رموزها, والتي اختبأت عقوداً وراء الشعارات البراقة, وتحالفت مع الفساد وكانت السبب في تراجع هذا الاعلام إن في مصداقيته أو في جماهيريته أو في تأثيره على الرأي العام أو في احترام الآخرين له. هذه العقلية لم تعد مؤهلة لمواجهة المتغيرات العاصفة التي تجري في العالم حولنا. ومن الخطأ الجسيم بقاؤها في مواقع التحكم بثقافتنا وفننا بعدما فشلت في كل شيء ونجحت فقط في إفقارهما وإقصائهما عن دوريهما في الحياة العامة.
هذه العقلية المناورة التي رافقتها على الدوام ميزتا التسلط واللامبالاة, سمحت بتسلل عقلية ثقافية متخلفة مناهضة لمفاهيم العصر تسعى لاهثة للسيطرة على مواقع القرار الثقافي وهدفها ايقاف عجلة الزمن وتقويض حرية الثقافة والفن والتعبير ومصادرة المستقبل لحساب التخلف والتزمت والظلام. وهكذا توضع ثقافتنا وفننا كما لو أن ذلك يجري بمخطط مرسوم تحت رحمة عقلية التحجر والغباء من جهة, وعقلية التخلف والظلامية من جهة أخرى لكي نتحول في النهاية إلى قطيع يعيش على هامش الحضارات بلا ثقافة أو فن, ولكي لا أكون نظرياً بحتاً سأضرب على ذلك مثالاً حياً في مقالة قادمة ومن تجربتي الشخصية أيضاً.
ولكنني الآن سأوضح للسيد خلف كيف وصل هذا السيناريو المختلف عليه إلى يديه, ليتعرف السادة القراء على بعض جوانب آلية اتخاذ القرارات الاعلامية في التلفزيون السوري.
بعد التقارير الرقابية الأربعة آنفة الذكر التي وافقت على إنتاج هذا العمل وأوصت بضرورة ذلك كما ورد سابقاً, كان من المفترض أن يذهب السيناريو إلى الانتاج والتصوير. لكن أحد مدراء الانتاج السابقين طلب مني رشوة أو سمسرة لقبول إنتاج العمل, وعندما رفضت بشدة أوقف العمل تحت ذريعة الأتراك وطواه في الأدراج. جاءت الادارة الجديدة ووصل الاستاذ ماجد حليمة إلى إدارة التلفزيون ليجد بين يديه تقريراً قدمته لجنة تقويم فنية من خارج التلفزيون «كنت واحداً من أعضائها شاهدت المسلسلات التلفزيونية التي انتجت منذ عام 2000 في التلفزيون السوري, وخرجت بانطباعات ونتائج كارثية, إذ أن ملياراً من الليرات السورية انفق على مسلسلات تافهة ومتدنية المستوى تجعل من هذا المليار بمثابة هدر لأموال الدولة. «يتباكى الأستاذ خلف في تقريره على ملايين الليرات التي ستنفق على عمل درامي وطني عن تقسيم بلاد الشام, فأين دموعه على هذا المليار؟! وأين كان قلمه عندما سرق الفاسدون مليارات أخرى من ثرواتنا الوطنية في وضح النهار؟»..
إن الأعمال الجيدة أو المقبولة كانت قليلة جداً و أقل من عدد أصابع اليد الواحدة, وعلى رأسها أعمال المخرج محمد بدرخان الذي كان الاستاذ خلف الجراد وراء إعفائه من منصبه الأمر الذي يؤكد مرة أخرى أن الابداع هو آخر ما يؤبه له في مؤسساتنا الثقافية والفنية والاعلامية, وهو في المعارك الشخصية الصبيانية أول ضحاياها.
وعندما عيّن الاستاذ ماجد حليمة مديرية جديدة للانتاج طلب الاقلاع بالانتاج التلفزيوني المتردي, وأول اقتراح قدم إليه كان إنتاج عملي ذاك, فنوقش في لجنة الدراما وتقرر انتاجه. لكن شخصاً ما قال عرضاً أمام إدارة التلفزيون: «إن أنتم أنتجتم هذا العمل فلن يبقى أحد منكم في منصبه»!!.
عندئذ ذعر الجميع على مناصبهم وتقرر إرسال علامة الشؤم هذه للدكتور خلف الجراد الذي لم تعرف عنه أي علاقة بالدراما يوماً لا من قريب ولا من بعيد. والهدف من ذلك كان واضحاً وهو الحصول على اقتراح برفض العمل سياسياً عن طريق شخص يبدو حيادياً لينفض الجميع أيديهم منه حسب القول المشهور: «لا نريد النوم في القبور ولا رؤية المنامات». فللأسف لا أحد يرى الوطن إلا بحجم منصبه ولا أحد ينظر إليه إلا كمحطة للتسوق والمكاسب.. وإلا لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه الآن؟!.
منذ إرساله إلى الدكتور الجراد استشعرت بأن مآل السيناريو سيكون الرفض. فشخص مثله رئيس تحرير جريدة تشرين سنوات طويلة, وكل ما قدمه أنه انحدر بصحيفة كانت متميزة ومتألقة إلى أدنى مستويات الصحافة لن يكون جديراً بالحكم على عمل درامي, ولن يكون قادراً على الخروج من جو الورقيات وقرارات المنع التي أفنى حياته فيها, وهذا ما حدث.
وبالطبع لدي كلام كثير حول هذه الموضوعات. لكنني لن أطيل هنا وسيكون للحديث صلة. على الأقل لأوضح فكرة عنوان هذه المقالة, وهي أننا في الإعلام والثقافة وفي جميع شؤون حياتنا الأخرى بتنا أمام أناس عابرين يتوهمون بأنهم يعيشون في وطن عابر, ولا يفكرون ولو قليلاً بأن سورية ستعيش أو ينبغي أن تعيش بعد موتهم.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة