الخميس, 26 تشرين الثاني 2020
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 38 تاريخ 5/7/2008 > السفاح في المجتمع السوري دراسات مختلفة وآراء متعددة حول الأسباب والحلول
السفاح في المجتمع السوري دراسات مختلفة وآراء متعددة حول الأسباب والحلول
جهينة- رهادة عبدوش:

بينما كانت تجلس مع صديقاتها وهي بعمر الثالثة عشرة يتناقشن حول مواضيع تتعلق بالحياة الخاصة، صرخت وسط ذهول الجميع... فهي إذاً معتدى عليها وهي لا تدري!! أما المعتدي فهووالدها فقد كان يجامعها منذ أن توفيت والدتها، حيث اعتادت على ذلك دون أن تعلم أن هذا محلل أم محرم، أوإن ما يحدث هوعلاقة خاصة، وكيف لها أن تشك به... إنه والدها وهي من دمه ولحمه... لم يعنفها مرّة ولم يكن لها إلا الصدر الحنون، لكن في الحقيقة كان وحشاً بشرياً يعتدي عليها طيلة ثماني سنوات، قدمت شكوى وهي الآن في المحاكم.
وفي قضية أخرى... حكم على فتاة بالسجن لعدة أشهر لأنها حملت من جدها سفاحاً في إحدى القرى السورية، وأودع الطفل في الميتم بينما الجد هارب من وجه العدالة.
تقول الضحية (س-ع): عندما كان جدي يلامسني كنت أشعر أن هناك شيئاً ما ليس طبيعياً وعندما أدركت ما يفعله لم أستطع البوح لأحد عما كان يجري معي، فهوكبير العائلة ولن يصدقني أحد، إضافة إلى أنه كان يهددني ويتوعدني في حال تكلمت لأحد ما بأنه هومن يفعل ذلك... ومراراً قال لي أذبحك وأقول إني أدافع عن شرف العائلة، إلى أن استطعت الهرب لكن بعد فوات الأوان فقد حملت منه، البعض صدقني والبعض الآخر لم يصدق... لكن عندما لاذ جدي بالفرار تأكد الجميع من صدقي، لكن حبسي ربما للحماية لا أدري.
ومن معهد الأحداث بدمشق... يذكر أن فتاة (م) عمرها سبعة عشرة عاماً اغتصبها أبوها منذ أن كانت في العاشرة من العمر، واستمر في الاعتداء الجنسي عليها إلى أن أصبح عمرها( 14) عاماً، ثم تعرفت على شاب وهربت معه فأمسكت الشرطة بها وأودع صديقها ووالدها السجن.
تقول إحدى عضوات الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة والتي تعمل مع الفتيات في معهد الأحداث: إن معظم الفتيات اللواتي يدخلن معهد الأحداث لجنحة ما، هن معرضات في طفولتهن لجرم السفاح !!
قصص كثيرة منها باتت قضايا سجلت بالمحاكم ومنها كثير طي الكتمان، فلن ينسى الشارع السوري قضية المرأة التي رأت بأم عينها زوجها وهويعتدي على ابنتيها بينما كانت تواً عائدة إلى المنزل فلم تدرك بنفسها إلا وهي تقتله بالسكين لكن المحاكم عاقبتها بخمس عشرة سنة سجناً.
ظاهرة غير معترف بها في المجتمع السوري
توجد مجتمعات بكاملها لاتقف عند مدينة أوريف، فقر أوغنى... وبالأحرى لا توجد إحصائيات تكشف الحقائق لكنها قصص وحكايا مكررة كل يوم، أكثرها طي الكتمان خوفاً من الفضيحة أودرءاً للعار أوعلى الأغلب لعدم وجود حلول تساند الضحايا.
إنه جرم السفاح وهو بالتعريف: الزنا بين المحارم من ذوي القربى. وبحسب علم الاجتماع: «هوشكل من أحد أشكال الإساءات الجنسية للأطفال، ومن حيث المفهوم التقليدي هوالعلاقة الجنسية بين أقرباء الدم كالعلاقة بين الأهل والأطفال أو بين الإخوة والأخوات، وتكمن الخطورة في جرم السفاح أن المسيء جنسياً يفترض به أصلاً أن يكون وصياً على الطفل أوحامياً له ومصدراً لشعور الطفل بالراحة والطمأنينة».وهومعاقب عليه في معظم القوانين ومنها القانون السوري، حيث عاقب المشرّع على جريمة سفاح القربى نظراً لما تسببه هذه الجريمة من آثار نفسية واجتماعية على الضحية وقد نصت المادة 476على:
1- السفاح بين الأصول والفروع، شرعيين كانوا أوغير شرعيين أو بين الأشقاء والشقيقات والإخوة والأخوات لأب أولأم أومن هم بمنزلة هؤلاء جميعاً من الأصهرة يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.
2- إذا كان لأحد المجرمين على الآخر سلطة قانونية أوفعلية فلا تنقص العقوبة عن سنتين.
3- يمنع المجرم من حق الولاية.
لكن القانون وحده لا يكفي، فالموضوع بات يشكل ظاهرة في المجتمع جعلته قيد الدراسات فهل الأسباب واضحة؟ وما هي الحلول المطروحة أوالممكنة؟
هذا ما سنحاول الاقتراب منه في هذا التحقيق الذي يرصد ظاهرة السفاح والاغتصاب بين المحارم من خلال الدراسات القانونية والاجتماعية ورصد الواقع والحالات التي عانت ومازالت تعاني دون أن تجد لها منقذاً حيث كانت في بعضها مقنعة وبعضها الآخر فيه بعض المبالغة واللاعقلانية.

السفاح جنحة والاغتصاب جناية
في القانون السوري!!!
في دراسة أعدها الأستاذ (علي عبدالله الحمادة) ماجستير في القانون الجنائي في عام 2006-2007م طرح أفكاراً تتمحور حول أسباب ارتكاب مثل تلك الجرائم المنافية للطبيعة البشرية والعلاقات الأسرية، وجد أن تشعب العلاقات الاجتماعية وتعميق العولمة الثقافية والفكرية نتيجة الغزوالتكنولوجي والإعلامي، نجم عنه ازدياد جريمة السفاح في المجتمع. وحاول الحمادة الوصول إلى العوامل التي تؤدي إلى تلك الجرائم وهي من الواقع الذي عمل على تحليله ودراسته، حيث وجد أن هناك عوامل داخلية كالإدمان على المخدرات، وخارجية كالفقر وأشياء تتعلق بالمجتمع نفسه الذي يعاني من الكبت الجنسي وما إلى ذلك، بالإضافة إلى السياسة الجنائية التي لم تشدد العقوبة على جرم السفاح وأدرجته ضمن الجنح المخلة بآداب الأسرة، بينما اعتبرت الاغتصاب جناية، وهوإخلال بالآداب والأخلاق العامة.
وقد حدد الحمادة الحدّ الفاصل للتفريق بين السفاح والاغتصاب «توافر الرضا... فبانعدام الرضا يسمى اغتصاباً وبوجوده هو سفاح»وهوما يرفضه بعض القانونيين والمحامين، حيث يعتبرون أن الرضا حكماً غير متوافر، فكيف لطفلة أن تكون راضية أولفتاة بالغة راشدة أن تكون راضية وهي لا تملك حق الولاية على النفس كونها امرأة؟؟ طبعاً مع التأكيد على أن السفاح يقع على الإناث والذكور على حد سواء، وربما بين الذكورالنسبة أكبر لكنها طي الكتمان أيضاً.
وفي ورقة مقدمة إلى المؤتمر الوطني للطفولة في سورية للدكتورة (إيمان العز) تبين أن الاعتداء الجنسي بشكل عام على الأطفال في سورية نسبته 48% ودرجة القرابة من معارف الطفل 49% ونسبة الذكور المعتدى عليهم 66% أما الإناث فنسبتهن 43% وهذه مؤشرات تم أخذها من مخافر الشرطة في دمشق والطب الشرعي.
مع التأكيد على أن الأرقام ليست دقيقة، فهي عبارة عن شكاوى وليست إحصائيات حقيقية حيث لا يوجد مراكز للإحصاء لعدم الاعتراف بالمشكلة أساساً في مجتمع يعتبر محافظاً ولا توجد فيه آليات واضحة للشكوى والتبليغ، فبحسب مصدر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن عدد الأحداث الذين تم وضعهم في معاهد إصلاح الأحداث ومراكز الملاحظة عام 2000م أنه من بين (9227) طفلاً كانت أسباب الإيداع لـ(1068) منهم الاغتصاب و(604 )الفحشاء و(325) دعارة... وفي عام 2002م من أصل (11576) طفلاً كانت الأسباب لـ(934) منهم اغتصاب و(903) فحشاء و(407) دعارة.

الفقر وعدم توفر الحماية والقوانين القاصرة تساهم في زيادة الظاهرة
وبطريقة أكثر اعتدالاً وواقعية تذكر المحامية (دعد موسى) في دراستها حول الاعتداء الجنسي واستغلال الأطفال في سورية، أن من أسباب تعرض الأطفال للاعتداءات الجنسية والاستغلال ضعف وظيفة الأسرة وسيطرة السلطة الأبوية وغياب الحوار وسيطرة القمع والكبت وغياب الثقافة الجنسية باعتبار الحديث فيها من المحرمات، إضافة إلى الحرمان العاطفي وعدم الاهتمام بالتنمية الصحية والعاطفية للطفل، زد على ذلك الفقر والبطالة وانعدام الشروط الصحية وكثرة عدد أفراد الأسرة... كلها أسباب قد تؤدي إلى سفاح القربى مع أسباب مهمة يجب العمل لحلها أهمها تعامل الجهات الأمنية مع المشكلة بشكل سلبي وعدم تأهيلهم وعدم كفاية القوانين التي تحكم مسألة الاعتداءات الجنسية على الأطفال والتكتم على الاعتداء لدرء الفضيحة، بالإضافة إلى الدور السلبي لوسائل الإعلام والمناهج التعليمية التي لا تتعامل بوضوح مع هذه المشكلة.أما عن الخلل الموجود بالقانون السوري فتقول المحامية( دعد موسى): إن القانون فرّق بين الاغتصاب والسفاح حيث عاقب على الاغتصاب بعقوبة جنائية من (15-21 سنة) سجن، بينما السفاح فقد عاقب عليه عقوبة جنحية بـ(3 سنوات) حبس، مع أن عقوبة السفاح يجب أن تكون أكثر تشديداً كونها تصدر عمن له سلطة ولائية على الآخر كالأب أوالأم أوالأخ، فالغريب أن عقوبة القتل بين الأصول والفروع مشددة بينما السفاح مخففة وهذا ناجم عن الثقافة الذكورية والبعيدة عن ثقافتنا حيث إن القانون قديم، من القوانين الرومانية القديمة التي تعتبر أن العائلة ملك لرب العائلة والذكور فيها.
ولدى سؤالنا عن إمكانية تعديل هذه القوانين أجابت: إن هذا مطروح، حيث إنه توجد دراسة حالية لمشروع قانون «الحماية من العنف الأسري»وهوسيعرض على الجهات الرسمية بتاريخ 25-11-2008م وقد تمت صياغته بالتعاون مع المجتمع الأهلي في سورية مثل: تجمع سوريات والجمعيات النسائية والنشطاء بحقوق المرأة والطفل والإنسان، وهويطالب بتعديل القانون وايجاد آليات جديدة للشكوى والتبليغ والإثبات، بالإضافة إلى إحصائيات دورية وحكومية وغير حكومية ترصد الواقع وتحدد أطراف وعمق المشاكل الأسرية.

صمت الحكومة وثقافة العيب
في آراء أخرى
وبرأي السيد (بسام القاضي) وهومشرف مرصد نساء سورية الالكتروني أن الصمت هوأساس المشكلة فكما يقول: الظاهرة منتشرة على نطاق واسع، ومعالجة هذه المشكلة تبدأ بالحديث عنها والاعتراف بها من الجهات الرسمية أولا،ً وبتطوير متكامل لجوانب المشكلة من الإعلام إلى المناهج التدريسية إلى القضاة والقوانين، وخصوصاً قوانين الأحداث التي يجب أن تعدل لتساند الطفل الضحية وتحميه على المدى الطويل، لا أن تحجز حريته وتحرمه من الأسرة، مع ضرورة حماية الأسرة بإبعاد الجاني عن نطاقها، كما في كثير من الدول المتقدمة، ويرافق كل ذلك تأهيل قضاة متخصصين بالتعامل مع الطفل ومع هذه النوعية من الجرائم الأسرية بالإضافة إلى شرطة قادرين على فهم الموضوع والتعامل معه بحذر، ويتبع كل ذلك نشر الوعي وإيجاد آليات للإبلاغ والشكاوى والاتصال، ويكون نشر الوعي بالإعلام بوسائله المختلفة ومن ضمنها الإرشادات في الطرق للتنبيه لوجود خطر يجب الانتباه إليه، وعلى المدارس الدور الأكبر في تعديل مناهجها وخصوصاً ما يتعلق بالتربية الجنسية بطريقة علمية ومدروسة بكوادر مؤهلة، ولن تكتمل جوانب العلاج والوقاية دون وجود تحرك من الجمعيات الأهلية المساندة للدولة والحكومة في عملها من أجل حماية الأطفال بمراكز متخصصة، وعلى الدولة بشكل رسمي وحقيقي تقديم إحصائيات لتحديد أماكن الظاهرة وأسبابها... وهذا يعطي مصداقية ويمنع تضخم الصورة الحقيقية أوعدم فهمها.

أسرار طي الكتمان والحلول
تحتاج لدعم تشريعي
وفي زيارة لمعهد الأحداث بدمشق للتعرف على إمكانية التعامل مع المعرضات للسفاح، أكدت إحدى المشرفات والتي رفضت التعريف عن اسمها أن الدور لا يتعدى المعالجين النفسيين، لأنهن بالكاد يعترفن بالمشكلة الحقيقية ولا توجد مراكز حماية فهومكان إصلاح وتأهيل لكنه ليس حماية للأطفال، وأكدت أيضاً أن هنالك مشروع قانون الأحداث الذي وصل الآن إلى رئاسة مجلس الوزراء ويتضمن قانوناً يتعلق بإمكانية حماية الطفل المعرض للسفاح بوجود مراكز حماية.
أخيراً لا بد بعد كل ذلك من التعرف على طبيعة ذلك الشخص المعتدي وما هي الآثار التي تظهر على الطفل أوالضحية وكيف يمكن معالجتها نفسياً، هذا ما حاولنا التعرف عليه من خلال الأستاذة (سها عقيل) معالجة نفسية للأطفال المعرضين للصدمات والتي أكدت أن السفاح يؤثر على الطفل بأعراض كثيرة منها الشعور بالذنب، فقدان الثقة بالنفس، الخوف الشديد، الأرق، الكوابيس، القلق، البكاء، الانعزال والخجل، تدني المستوى الدراسي، ومن الممكن أن تؤدي على المدى البعيد لاضطرابات المزاج أو اضطرابات القلق..أما بالنسبة للتأثير المستقبلي، فمن الممكن أن يحدث لدى الشخص المعرض لسفاح القربى برود جنسي أوشذوذ جنسي... ففي بحث للعالم الأمريكي «جريجوري ديكسون»عام 1996 ظهر أن 49% من الشواذ جنسياً الذين تناولهم البحث قد حدث لهم نوع من أنواع الاعتداء الجنسي أثناء مرحلة الطفولة. كما يمكن أن يتحول هذا الطفل إلى معتد يمارس على الآخرين ما تعرض له في صغره. لذا من المهم جداً تثقيف الأطفال والحديث معهم بشكل مبسط عن حرمة أجسادهم والمناطق الحساسة في جسدهم والتي يجب ألا يسمحوا للغير بلمسها أوالنظر إليها، والأمور التي من الممكن أن يلجؤوا لها عند تعرضهم للتحرش، مثل الصراخ والهروب إن استطاعوا وإخبار الأهل عن الموضوع، مع عدم إلقاء اللوم على الأطفال في حال تعرضهم للتحرش.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة